تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
كانت سيرة السلف الصالحين في مرابطة النفس ومراقبتها . فمهما تمرّدت نفسك عليك وامتنعت من المواظبة على العبادة فطالع أحوال هؤلاء فإنه قد عز الآن وجود مثلهم ولو قدرت على مشاهدة من اقتدى بهم فهو أنجع في القلب وأبعث على الاقتداء فليس الخبر
شرح
جزا الليل ثلاثة أجزاء الجزء الأوّل يكتب ، والثلث الثاني يصلي ، والثلث الثالث ينام . وعن أبي خالد الأحمر قال : أكل سفيان ليلة فشبع فقال : إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله ، فقام حتى أصبح . وعن حمزة بن ربيعة قال : حججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومائة فما رأيته مضطجعا على المحمل في ليل ولا نهار قط كان يصلي ، فإذا غلبه النوم استند إلى القتب . وعن أحمد بن سلمة قال : سمعت هناد بن السري غير مرة إذا ذكر قبيصة بن عقبة قال الرجل الصالح وتدمع عيناه . وكان هناد كثير البكاء وكنت عنده ذات يوم في مسجده فلما فرغ من القراءة عاد إلى منزلة فتوضأ وانصرف إلى المسجد وقام على رجليه يصلي إلى الزوال وأنا معه في المسجد ، ثم رجع إلى منزله فتوضأ وانصرف إلى المسجد فصلى بنا الظهر ، ثم قام على رجليه إلى العصر ويرفع صوته بالقرآن ويبكي كثيرا ويصلي إلى العصر ، ثم صلى بنا العصر وجاء إلى صحن المسجد فجعل يقرأ القرآن في المصحف إلى الليل فصليت معه صلاة المغرب ، وقلت لبعض جيرانه : ما أصبره على العبادة فقال : هذه عبادته منذ سبعين سنة ، فكيف لو رأيت عبادته بالليل وما تزوّج قط ولا تسرى قط ، وكان يقال له راهب الكوفة . وعن الأوزاعي قال : خرجت حاجا فدخلت مدينة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فإذا شاب بين القبر والمنبر يتهجد فلما طلع الفجر استلقى على ظهره ، ثم قال عند الصباح : يحمد القوم السرى ، فقلت له : يا ابن أخي لك ولأصحابك لا للجمالين . وعن داود بن رشيد قال : قام أخ لي في ليلة ظلماء يصلي مع نفسه فضربه البرد وكان رث الثياب ثم سجد فذهب به النوم في سجوده ، فهتف به هاتف أنمناهم وأقمناك وتبكي علينا . وعن أبي محمد الجريري قال : كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته ، وكان يوم جمعة وهو يقرأ القرآن ، فقلت : يا أبا القاسم ارفق بنفسك ، فقال : يا أبا محمد رأيت أحوج مني في هذا الوقت ، وهو ذا تطوى صحيفتي . وقال أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت جدي يقول : دخل أبو العباس بن عطاء على الجنيد ، وهو في النزع لم يرد عليه ثم ردّ عليه بعد ساعة وقال : اعذرني فإني كنت في وردي ثم حوّل وجهه إلى القبلة ومات . ( فهكذا كانت سيرة السلف الصالحين في مرابطة النفس ومراقبتها ، فمهما تمردت نفسك عليك وامتنعت من المواظبة على العبادة فطالع أحوال هؤلاء فإنه قد عز الآن وجود مثلهم ) بل ومن يداني من يشابههم ، ( ولو قدرت على مشاهدة من اقتدى بهم ) في أحوالهم ( فهو أنجع في القلب وأبعث على الاقتداء فليس الخبر كالمعاينة ) كما ورد في الخبر وتقدم ،