منيب فرّ من أهل ومال * يسيح إلى مكان من مكان
ليخمل ذكره ويعيش فردا * ويظفر في العبادة بالأماني
تلذذه التلاوة أين ولّى * وذكر بالفؤاد وباللسان
وعند الموت يأتيه بشير * يبشّر بالنجاة من الهوان
فيدرك ما أراد وما تمنى * من الراحات في غرف الجنان
وكان كرز بن وبرة يختم القرآن في كل يوم ثلاث مرات ، ويجاهد نفسه في العبادات
شرح
منيب فر من أهل ومال * يسيح إلى مكان من مكان )المنيب : هو التائب الراجع إلى ربه .( ليخمل ذكره ويعيش فردا * ويظفر في العبادة بالأماني )أي ليخفى ذكره بين الناس ولا يشار إليه ويعيش منفردا بربه ويجد حلاوة في طاعته .( تلذذه التلاوة أين ولى * وذكر بالفؤاد وباللسان
وعند الموت يأتيه بشير * يبشر بالنجاة من الهوان
فيدرك ما أراد وما تمنى * من الراحات في غرف الجنان )وهؤلاء الذين وصفهم ذو النون بما سبق ذكره نظروا إلى ثواب اللّه بأنفس تائقة وعيون رائقة وأعمال موافقة ، فحلوا عن الدنيا مطيّ رحالهم وقطعوا منها حبال آمالهم لم يدع لهم خوف ربهم من أموالهم تليدا ولا عتيدا . أفتراهم لم يشتهوا من الأموال كنوزها ولا من الأوبار خزوزها ولا من المطايا عزيزها ولا من القصور مشيدها . بلى ، ولكنهم نظروا بتوفيق اللّه وإلهامه لهم فحركهم ما عرفوا بصبر أيام قلائل فضموا أبدانهم عن المحارم ، وكفوا أيديهم عن ألوان المطاعم ، وهربوا بأنفسهم عن المآثم فسلكوا من السبيل رشاده ومهدوا للرشاد مهاده ، فشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم ، هابوا الموت وسكراته وكرباته وفجعاته ومن القبر ضيقه ومنكرا ونكيرا ومن ابتدادهما وانتهارهما وسؤالهما ومن المقام بين يدي اللّه عز وجل .
( وكان كرز بن وبرة ) الحرثي قال صاحب الحلية : كوفي الأصل سكن جرجان ويعد في اتباع تابعي أهل الكوفة له الصيت البليغ والمكان الرفيع في النسك والتعبد ، كان تغلب عليه المؤانسة والمشاهدة فيشهده شهي الملاطفات وتؤنسه خفي المخاطبات . روى عن طاوس وعطاء والربيع بن خثيم ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم . ( يختم القرآن في كل يوم ثلاث مرات ) . قال أبو نعيم في الحلية : حدثنا أبو محمد بن حيان ، حدثنا أحمد بن الحسين الحذاء ، حدثنا أحمد بن إبراهيم ،