تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
جبال بيت المقدس إذ هبطت إلى واد هناك ، فإذا أنا بصوت قد علا وإذا تلك الجبال تجيبه لها دوي عال فاتبعت الصوت فإذا أنا بروضة عليها شجر ملتف ، وإذا أنا برجل قائم فيها يردد هذه الآية :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً
إلى قوله :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
[ آل عمران : 30 ] ، قال : فجلست خلفه أسمع كلامه وهو يردد هذه الآية إذ صاح صيحة خر مغشيا عليه ، فقلت : وا أسفاه هذا لشقائي . ثم انتظرت إفاقته فأفاق بعد ساعة فسمعته وهو يقول : أعوذ بك من مقام الكذابين أعوذ بك من أعمال البطالين أعوذ بك من اعراض الغافلين . ثم قال : لك خشعت قلوب الخائفين وإليك فزعت آمال المقصرين ولعظمتك ذلت قلوب العارفين ، ثم نفض يده فقال ما لي وللدنيا وما للدنيا ولي ؟ عليك يا دنيا بأبناء جنسك وآلاف نعيمك ! إلى محبيك فادهبي ! وإياهم فاخدعي ! ثم قال : أين القرون الماضية وأهل الدهور السالفة ، في التراب يبلون ، وعلى الزمان يفنون ، فناديته : يا عبد اللّه أنا منذ اليوم خلفك أنتظر
شرح
ويتلون الفرقان ويقربون القربان ، يتوسمون العباد ويتفكرون في البلاد ، أجسامهم في الأرض وأعينهم في السماء ، أقدامهم في الأرض وقلوبهم في السماء ، وأنفسهم في الأرض عند العرش ، أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة . ( وقال بعض الصالحين : بينما أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس إذ هبطت إلى واد هناك فإذا أنا بصوت قد علا وإذا تلك الجبال تجيبه لها دوي عال ، فاتبعت الصوت ) ومشيت ( فإذا بروضة عليها شجر ملتف ، فإذا أنا برجل قائم فيها يردد هذه الآيةيَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراًإلى قولهوَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) وتمامهاتَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً( قال : فجلست خلفه أسمع كلامه ) ولا يراني ( وهو يردد هذه الآية إذ صاح صيحة خر معها مغشيا عليه ، فقلت : وا أسفاه هذا لشقائي ثم انتظرت إفاقته فأفاق بعد ساعة فسمعته وهو يقول : أعوذ بك من مقام الكذابين ، أعوذ بك من أعمال البطالين ، أعوذ بك من إعراض الغافلين ) قال ذلك لما أحس بمن اطلع على طاهر حاله فخاف على نفسه التصنع في عمله فاستعاذ باللّه مما ذكر ، والكذاب من يخالف ظاهره باطنه ، والبطال من صرف عمره في لهو وبطالة ولم يذق معرفة اللّه تعالى ، والغافل من غفل عن شهود أسرار معاني كلام اللّه تعالى ( ثم قال : لك خشعت قلوب الخائفين وإليك فزعت آمال المقصرين ولعظمتك ذلت قلوب العارفين ، ثم نفض يده وقال : ما لي وللدنيا وما للدنيا ولي عليك يا دنيا بأبناء جنسك وآلاف نعيمك ) أي الذين يألفون نعيمك ( إلى محبيك فاذهبي وإياهم فاخدعي ، ثم قال : أين القرون الماضية ) جمع قرن خمس وسبعون سنة وقيل مائة سنة ( وأهل الدهور السالفة في التراب يبلون وعلى ) مر ( الزمان يفنون ، فناديته : يا عبد اللّه ) ناداه بالاسم الأعلم لأنه لم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 253 | مرتضى الزبيدي