تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
فراغك ! فقال : وكيف يفرغ من يبادر الأوقات وتبادره يخاف سبقها بالموت إلى نفسه ؟ أم كيف يفرغ من ذهبت أيامه وبقيت آثامه ؟ ثم قال : أنت لها ولكل شدة أتوقع نزولها ، ثم لها عني ساعة وقرأ :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزمر : 47 ] ثم صاح صيحة أخرى أشدّ من الأولى وخر مغشيا عليه ! فقلت : قد خرجت روحه فدنوت منه فإذا هو يضطرب ثم أفاق وهو يقول : من أنا ، ما خاطري ؟ هب لي إساءتي من فضلك ! وجللني بسترك واعف عن ذنوبي بكرم وجهك إذا وقفت بين يديك ! فقلت له : بالذي ترجوه لنفسك ؟ وتثق به إلا كلمتني ! فقال : عليك بكلام من ينفعك كلامه ، ودع كلام من أوبقته ذنوبه ، إني لفي هذا الموضع مذ شاء اللّه أجاهد إبليس ويجاهدني فلم يجد عونا علي ليخرجني مما أنا فيه غيرك ؟ فإليك عني يا مخدوع فقد عطلت عليّ لساني وميلت إلى حديثك شعبة من قلبي وأنا أعوذ باللّه من شرك ، ثم أرجو أن يعيذني من سخطه ويتفضل عليّ برحمته ، قال : فقلت هذا ولي للّه أخاف أن أشغله فأعاقب في موضعي هذا فانصرفت وتركته . وقال بعض الصالحين : بينما أنا أسير في مسير لي إذ ملت إلى شجرة لأستريح تحتها ، فإذا أنا بشيخ قد أشرف عليّ فقال لي : يا هذا قم
شرح
يعرف اسمه الخاص ( أنا منذ اليوم خلفك أنتظر فراغك ، فقال : وكيف يفرغ من يبادر الأوقات وتبادره يخاف سبقها بالموت إلى نفسه أم كيف يفرغ من ذهبت أيامه وبقيت آثامه ؟ ثم رجع ) إلى ربه مستغيثا ( وقال : أنت لها ولكل شدة أتوقع نزولها ) أي أنت المعين لي فيها ، ( ثم لها عني ساعة وقرأ ) قوله تعالى : (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) أي ما لم يكن في بالهم من شدة الحساب والعتاب والحجاب ، ( ثم صاح صيحة أخرى أشد من الأولى وخر مغشيا عليه ، فقلت ) في نفسي : هو ( قد خرجت روحه فدنوت منه فإذا هو يضطرب ثم أفاق وهو يقول : من أنا ما خاطري هب لي إساءتي بفضلك وجللني بسترك واعف عن ذنوبي بكرم وجهك إذا وقفت بين يديك . فقلت له : بالذي ترجوه لنفسك وتثق به إلا كلمتني ، فقال : عليك بكلام من ينفعك كلامه ودع كلام من أوبقته ذنوبه ) أي أسرته وأهلكته ( إني لفى هذا الموضع منذ شاء اللّه أجاهد إبليس ويجاهدني فلم يجد عونا علي ليخرجني مما أنا فيه ) من التخلي والانفراد ( غيرك ، فإليك عني يا مخدوع فقد عطلت علي لساني ) أي شغلته عن ذكر ربي ومناجاته ( وميلت إلى حديثك شعبة من قلبي ، وأنا أعوذ باللّه من شرك ثم أرجو أن يبعدني من سخطه ويتفضل على برحمته . قال ) الراوي : ( فقلت هذا ولي اللّه ) تعالى ( أخاف أن أشغله ) عن اللّه ( فأعاقب في موضعي هذا ) فإن من شغل المشغول باللّه قطعه اللّه ، ( فانصرفت وتركته ) . ( وقال بعض الصالحين ) من أهل المراقبة : ( بينما أنا أسير في مسير لي إذ ملت إلى شجرة