معادن لصفاء اليقين وبيوتا للحكمة وتوابيت للعظمة وخزائن للقدرة ، فهم بين الخلائق مقبلون ومدبرون ، وقلوبهم تجول في الملكوت وتلوذ بمحجوب الغيوب ، ثم ترجع ومعها طرائف من لطائف الفوائد وما لا يمكن واصفا أن يصفه فهم في باطن أمورهم كالديباج حسنا وهم في الظاهر مناديل ، مبذولون لمن أرادهم تواضعا . وهذه طريقة لا يبلغ إليها بالتكلف وإنما هو فضل اللّه يؤتيه من يشاء . وقال بعض الصالحين : بينما أنا أسير في بعض
شرح
[ الأعراف : 54 ] ، ( فصارت قلوبهم معادن ) لاستقرار الأسرار ( بصفاء اليقين وبيوتا للحكمة ) تسكن فيها ( وتوابيت للعظمة ) والإجلال والهيبة والتعظيم . والتابوت الوعاء الذي تحفظ فيه نفائس الأمتعة ( وخزائن القدرة ، فهم بين الخلائق مقبلون ومدبرون ) بظواهرهم ، ( وقلوبهم تجول في الملكوت ) فتشاهد ما فيه من العجائب ( وتلوذ بمحجوب الغيوب ) عن النواظر ، ( ثم ترجع ) إلى عالم الملك ( ومعها طرائف ) أي نوادر ( من لطائف الفوائد ) ونفائس العوائد ( ما لا يمكن واصفا أن يصفه ) لبعده عن دائرة العقول ( فهم في باطن أمورهم كالديباج حسنا ) وبهجة وعزة ( وهم في الظاهر مناديل مبذولون لمن أرادهم تواضعا ) أي بمنزلة المناديل التي يتباذلها الناس ويتمسحون بها . ( وهذه طريقة لا يبلغ إليها إلا بالتكلف ) والاجتهاد ، ( وإنما هو فضل اللّه يؤتيه من يشاء ) أي مواهب من العناية الأزلية لا تدرك بالتصنع والتكلف ، ولكن من يسر له طريقه فهو على نور من ربه ، أولئك مصابيح الدجاه ، وينابيع الرشد والحجاه ، خصوا بخفي الاختصاص ونقوا من التصنع بالإخلاص ، كما قال ذو النون المصري يوما : إن للّه لصفوة من خلقه وإن للّه لخيرة . فقيل له : من هؤلاء ؟ فقال : هم قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا والتراب لجنوحهم مهادا ، خالط القرآن لحومهم ودماءهم فعزلهم عن الازدواج وحركهم بالإدلاج ، فوضعوه على أفئدتهم فانفرجت ، وضموه إلى صدورهم فانشرحت ، وتصدعت هممهم به فكدحت ، فجعلوا لظلمتهم سراجا ولنومهم مهادا ولسبيلهم منهاجا ولحجتهم أفلاجا ، يفرح الناس ويحزنون وينام الناس ويسهرون ويفطر الناس ويصومون ويأمن ويخافون ، فهم خائفون حذرون وجلون مشفقون مشمرون ، يبادرون من الفوت ويستعدون للموت ، فارقوا بهجة الدنيا بعين قالية ونظروا إلى ثواب الآخرة بعين رابية واشتروا الباقية بالفانية ، فنعم ما اتجروا ، ربحوا الدارين وجمعوا الخيرين واستكملوا الفضلين ، فهم خرس فصحاء عمي بصراء فعنهم تقصر الصفات وبهم تدفع النقمات وعليهم تنزل البركات ، فهم أحلى الناس منطقا ومذاقا وأوفى الناس عهدا وميثاقا ، سراج العباد ونهار البلاد ومصابيح الدجا ومعادن الرحمة وينابيع الحكمة وقوام الأمة وأقبل الناس للمعذرة وأصفحهم بالمغفرة وأسمحهم بالعطية .
وروى أبو نعيم في الحلية من طريق مكحول عن عياض بن غنم مرفوعا في وصف هؤلاء القوم :
مؤنتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة ، يدبون في الأرض حفاة أقدامهم دبيب النمل بغير مرح ولا بذخ ولا صلة ، يمشون بالسكينة ويتقربون بالوسيلة ، يلبسون الخلقان ويتبعون البرهان