عن آخرهم . وعن أبي محمد المغازلي قال : جاور أبو محمد الجريري بمكة سنة فلم ينم ولم يتكلم ولم يستند إلى عمود ولا إلى حائط ولم يمد رجليه ، فعبر عليه أبو بكر الكتاني فسلم عليه وقال له : يا أبا محمد بم قدرت على اعتكافك هذا ؟ فقال : علم صدق باطني فأعانني على ظاهري ، فاطرق الكتاني ومشى مفكرا . وعن بعضهم قال : دخلت على فتح الموصلي ، فرأيته قد مدّ كفيه يبكي حتى رأيت الدموع تنحدر من بين أصابعه فدنوت منه فإذا دموعه قد خالطها صفرة ، فقلت : ولم باللّه يا فتح بكيت الدم ؟ فقال : لولا أنك حلفتني باللّه ما أخبرتك ، نعم بكيت دما فقلت له : على ما ذا بكيت الدموع ؟ فقال : على تخلفي عن واجب حق اللّه تعالى وبكيت الدم على الدموع لئلا يكون ما صحت لي الدموع ؟
قال : فرأيته بعد موته في المنام فقلت : ما صنع اللّه بك ؟ قال : غفر لي ، فقلت له : فما ذا
شرح
يشير إلى أن هذا الذي رأيتموه من الاجتهاد في العبادة يسير بالإضافة إلى ما أعدّ من الأهوال في يوم القيامة .
( وعن أبي محمد المغازلي ) كذا في النسخ ، ولعله أبو جعفر محمد بن منصور المغازلي عبد صالح بغدادي ، روى عن بشر الحافي ، وعنه محمد بن مخلد العطار ( قال : جاور أبو محمد ) أحمد بن محمد بن الحسين الجريري بضم الجيم من أكابر أصحاب الجنيد ( بمكة سنة فلم ينم ولم يتكلم ولم يستند إلى عموده ولا إلى حائط ولم يمدّ رجليه فعبر عليه أبو بكر ) محمد بن علي ( الكتاني ) البغدادي من أصحاب الجنيد جاور بمكة إلى أن مات بها سنة 322 ، ( فسلم عليه . وقال : يا أبا محمد بم قدرت على اعتكافك هذا ؟ فقال : علم صدق باطني فأعانني على ظاهري فأطرق الكتاني ومشى مفكرا ) يشير إلى أن الاجتهاد لا يتم ولا يعان عليه إلا بصدق الباطن وزاد ابن الملقن أنه أنشد عقيب جوابه :شكرتك لا أني أجازيك منعما * بشكر ولا كيما يقال له الشكر
وأذكر أيامي لديك وحسنها * وآخر ما يبقى على الناكر الذكر( وعن بعضهم ) وهو أبو إسماعيل من أصحاب فتح وكان نصرانيا من أهل الموصل ، أسلم على يدي فتح وصحبه ( وقال : دخلت على فتح ) بن سعيد ( الموصلي ) من أقران بشر والسري وكان كبير الشأن في الورع والمعاملات توفي سنة 220 ، وهو غير فتح بن شخرف الكنتي ، فوفاته ببغداد سنة 273 وكثيرا ما يشتبه هذا بذاك فاحفظ ذلك . ( فرأيته وقد مدّ كفيه يبكي حتى رأيت الدموع تنحدر من بين أصابعه فدنوت منه ) لأنظر إليه ، ( فإذا دموعه قد خالطها صفرة ! فقلت : ولم باللّه يا فتح بكيت الدم . فقال : لولا أنك حلفتني باللّه ما أخبرتك . نعم بكيت دما ، فقلت له : على ما ذا بكيت الدموع ؟ فقال ) : بكيت الدموع ( على تخلفي عن واجب حق اللّه تعالى ، وبكيت الدم على الدموع لئلا يكون ) أي خوفا أن يكون ( ما صحت لي الدموع . قال ) أبو إسماعيل : ( فرأيته بعد موته في المنام فقلت : ما صنع اللّه بك ؟ فقال :