الجنيد : ما رأيت أعبد من السري ! أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤي مضطجعا إلا في علة الموت . وقال الحارث بن سعد : مرّ قوم براهب فرأوا ما يصنع بنفسه من شدة اجتهاده ، فكلموه في ذلك فقال : وما هذا عندما يراد بالخلق من ملاقاة الأهوال وهم غافلون ، قد اعتكفوا على حظوظ أنفسهم ونسوا حظهم الأكبر من ربهم . فبكى القوم
شرح
ابن الفضيل المكي ، حدثنا حمزة بن ربيعة ، حدثني ابن شوذب قال : سمعت ثابتا البناني يقول : اللهم إن كنت أعطيت أحدا من خلقك أن يصلي لك في قبره فاعطني .
حدثنا أبو حامد بن جبلة ، حدثنا محمد بن إسحاق السراج ، حدثنا عمر بن شيبة ، حدثنا يوسف بن عطية ، سمعت ثابتا يقول لحميد الطويل : هل بلغك يا أبا عبيدة أن أحدا يصلي في قبره إلا الأنبياء ؟ قال : لا . قال ثابت : اللهم إن أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لثابت أن يصلي في قبره .
قال : وكان ثابت يصلي قائما حتى يعيا ، فإذا عيي جلس فصلى وهو جالس ، ويجتبي في قعوده ويقرأ .
فإذا أراد أن يسجد وهو جالس حل حبوته .
حدثنا عثمان بن محمد العثماني ، حدثنا إسماعيل بن علي الكرابيسي ، حدثني محمد بن سنان الفزار ، حدثنا سيار بن حبيش عن أبيه قال : أنا واللّه الذي لا إله إلا هو أدخلت ثابتا البناني لحده ومعي حميد الطويل أو رجل غيره شك محمد قال : فلما سوّينا عليه اللبن سقطت لبنة فإذا أنا به يصلي في قبره ، فقلت للذي معي : ألا ترى ؟ قال : اسكت ، فلما سوّينا عليه التراب وفرغنا أتينا ابنته فقلنا لها : ما كان عمل ثابت ؟ قالت : وما رأيتم فخبرناها . فقالت : كان يقوم الليل خمسين سنة ، فإذا كان السحر قال في دعائه : اللهم إن كنت أعطيت أحدا من خلقك الصلاة في قبره فاعطنيها ، فما كان اللّه تعالى ليرد ذلك الدعاء .
( وقال الجنيد ) قدس سره : ( ما رأيت أعبد للّه ) عز وجل ( من السري ) بن المغلس السقطي رحمه اللّه تعالى ( أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤي مضجعا إلا في علة الموت ) رواه القشيري عن أبي عبد الرحمن السلمي سماعا قال : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا عمر الأنماطي يقول : سمعت الجنيد يقول : ما رأيت أعبد من السري فذكره .
ورواه الخطيب من طريق ابن باكويه ، حدثنا أبو بكر أحمد بن إسماعيل الصوري قال : سمعت فاطمة بنت أحمد أخت أبي علي الروذباري قالت : سمعت أخي ، ومن طريق علي بن الحسن الصيقلي قال : سمعت الفرغاني قال : سمعنا الجنيد يقول فذكره . وهو تنبيه على كمال مجاهدته وملازمته الإقبال على اللّه تعالى بالقلب والجوارح .
( وقال الحرث بن سعد : مرّ قوم براهب فرأوا ما يصنع بنفسه من شدة اجتهاده فكلموه في ذلك فقال : وما هذا عندما يراد بالخلق من ملاقاة الأهوال وهم غافلون قد اعتكفوا على حظوة أنفسهم ونسوا حظهم الأكبر من ربهم ؟ فبكى القوم عن آخرهم ) .