اختياري فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور : علم وإرادة وقدرة . لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه فلا بدّ وأن يعلم ولا يعمل ما لم يرد فلا بدّ من إرادة . ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقا للغرض إما في الحال أو في المآل ، فقد خلق الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور ويلائم غرضه ، ويخالفه بعض الأمور ، فيحتاج إلى جلب الملائم الموافق إلى نفسه ودفع الضارّ المنافي عن نفسه ، فافتقر بالضرورة إلى معرفة وإدراك للشيء المضر والنافع حتى يجلب هذا ويهرب من هذا ، فإن من لا يبصر الغذاء ولا يعرفه لا يمكنه أن يتناوله ، ومن لا يبصر النار لا يمكنه الهرب منها ، فخلق اللّه الهداية والمعرفة وجعل لها أسبابا وهي الحواس الظاهرة والباطنة وليس ذلك من غرضنا ثم لو أبصر الغذاء وعرف انه موافق له فلا يكفيه ذلك للتناول ما لم يكن فيه ميل إليه ورغبة فيه وشهوة له باعثة عليه ، إذ المريض يرى الغذاء ويعلم أنه موافق ولا يمكنه التناول لعدم الرغبة والميل ولفقد الداعية المحرّكة إليه ، فخلق اللّه تعالى له الميل والرغبة والإرادة وأعني به نزوعا في نفسه إليه وتوجها في قلبه إليه . ثم ذلك لا يكفيه فكم من مشاهد طعاما راغب فيه مريد
شرح
اختياري ) أي صادر باختيار العبد ( فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور : علم وإرادة وقدرة ، لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه فلا بد وأن يعلم ، ولا يعمل ما لم يرد فلا بد من إرادة ) تسبق العمل .
( ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقا للغرض إما في الحال أو في المآل ، فقد خلق الإنسان يحيث يوافقه بعض الأمور ) ويلائم غرضه ويخالفه بعض الأمور هذا من لطف اللّه تعالى وكمال حكمته ، ( فاحتاج إلى جلب الملائم الموافق ) لطبعه النافع له في العاجل والآجل ( لنفسه و ) إلى ( دفع الضار ) له فيهما ( المنافي ) لطبعه ( عن نفسه ، فافتقر بالضرورة إلى معرفة وإدراك للشيء المضر والنافع ) وهو العلم المعرّف له ذلك ، ( حتى يجلب هذا ويهرب من هذا ، فإن من لا يبصر الغذاء ولا يعرفه لا يمكنه أن يتناوله ، ومن لا يبصر النار لا يمكنه الهرب منها ، فخلق اللّه الهداية والمعرفة وجعل لها أسبابا وهي الحواس الظاهرة والباطنة وليس ذلك من غرضنا ، ثم لو أبصر الغذاء وعرف أنه موافق له فلا يكفيه ذلك للتناول ما لم يكن فيه ميل إليه ورغبة فيه وشهوة له باعثة عليه ، إذ المريض يرى الغذاء ويعلم أنه موافق ) له ، ( ولا يمكنه التناول لعدم الرغبة والميل ) إليه ، ( ولفقد الداعية المحركة إليه فخلق اللّه تعالى ) بلطفه وحكمته ( الميل والرغبة والإرادة ، وأعني به ) أي بمجموع الميل والإرادة والرغبة ( نزوعا في نفسه إليه وتوجها في قلبه إليه ) ، فوجود الميل إلى الموافق الملائم والنفرة عن المؤلم المنافر بعد العلم ضروريان لا كسب للعبد فيهما فلا ثواب ولا عقاب عليهما حتى ينصرف عن القلب ما يعارضهما ويضادهما من علوم وإرادات لطلب أغراض أخر ، لأن المعارضة المضادة تمنع من جرم النية ، وإليه أشار المصنف بقوله :