فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم ، فصرخ وقال يا ويلتي القى الملك بأحد وعشرين ألف ذنب ، فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب ؟ ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت ، فسمعوا قائلا يقول : يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى ! فهكذا ينبغي أن يحاسب نفسه على الأنفاس وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كل ساعة ؛ ولو رمى العبد بكل معصية حجرا في داره لامتلأت داره في مدّة يسيرة قريبة من عمره ، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي والملكان يحفظان عليه ذلك
أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ
[ المجادلة : 6 ] .
شرح
أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم ) من ضرب أيام السنة في الستين ( فصرخ وقال : يا ويلتي ألقى الملك بأحد وعشرين ألف ذنب ) وخمسمائة ذنب ، ( فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب ، ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت ) وهذا قد غلبه الخوف فشق شغاف قلبه ، ( فسمعوا قائلا يقول : يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى ) رواه البيهقي في الشعب عن رجل من قريش ولم يقل وكان بالرقة . ( فهكذا ينبغي أن يحاسب نفسه على الأنفاس ) صاعدة وهابطة ، ( وعلى كل معصية بالقلب ) إذا هم بها ، ( والجوارح في كل ساعة . ولو رمى العبد بكل معصية حجرا في داره لامتلأت داره ) بالحجارة ( في مدة يسيرة قريبة من عمره ، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي والملكان يحفظان عليه ذلك ) كما قال تعالى : (أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) ثم إن الحامل على هذه المحاسبة الإيمان بمحاسبة اللّه تعالى يوم القيامة على الجليل والحقير وهو واجب وهو من الإيمان للّه ، فإن صفا قلبه حتى يحس بوقع الدين في قلبه أثرا المخالفة ، فهذا من الذين كاشفهم اللّه بسرعة حسابهم في الدنيا قبل حساب الآخرة فتابوا وأنابوا وأثنى عليهم بقوله :وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ[ آل عمران :
135 ] وقد نبهنا على ما في الذنب من العقاب العاجل والآجل بقولهوَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ[ الانفطار : 10 - 12 ] فنفس كتب السيئة هو عين العقوبة لأنها تنكت في القلب نكتة سوداء وتتزايد إلى أن يصير رينا ، وكذلك الحسنة هي نفس الثواب العاجل لأنها تنكت في القلب نكتة بيضاء وتتزايد إلى أن تصير كالمرآة الصقيلة ، فلذلك قال تعالى :إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ * وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ[ الانفطار : 13 - 16 ] ولكن لا يشعرون بما ران على قلوبهم من رين الذنوب وهذه المحاسبة توجب الاعتصام وهو المعنى الجامع لكل ما يخبر عنه العلماء من العلوم والأحوال والأعمال ، لأن حقيقته التمسك بكتاب اللّه والحفظ لحدود اللّه ، ولذلك نقول : إن الصلاح المؤدي إلى معرفة اللّه وولائه بغير علم ممنوع وهو ثمرة المحاسبة ، لأن المحاسبة تلزم العبد الرعاية والحفظ للحدود ، والفرق بينه وبين الاستقامة أن الاعتصام هو الحفظ للحدود واجبها ومندوبها والاستقامة هي الثبات والاعتدال عن الميل إلى طرفي الأمر المعتصم به . قال تعالى :وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[ آل عمران : 101 ] فمن حاسب نفسه إلى الدخول في مقام الجمع من وادي