تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
داود عليه السلام : لا تسأل عني عالما أسكره حب الدنيا فيقطعك عن محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي . فالقلوب المظلمة بحب الدنيا وشدّة الشره والتكالب عليها محجوبة عن نور اللّه تعالى ، فإن مستضاء أنوار القلوب حضرة الربوبية فكيف يستضيء بها من استدبرها وأقبل على عدوّها وعشق بغيضها ومقيتها وهي شهوات الدنيا ؟ فلتكن همة المريد أوّلا في أحكام العلم ، أو في طلب عالم معرض عن الدنيا أو ضعيف الرغبة فيها إن لم يجد من هو عديم الرغبة فيها . وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات » جمع بين الأمرين وهما متلازمان حقا فمن ليس له عقل وازع عن الشهوات فليس له بصر ناقد في الشبهات . ولذلك قال عليه السلام : « من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا » فما قدر العقل الضعيف الذي سعد الآدمي به حتى يعمد إلى محوه ومحقه بمقارفة الذنوب ، ومعرفة آفات الأعمال قد اندرست في هذه الأعصار ، فإن الناس كلهم قد هجروا هذه العلوم
شرح
أي غلب على قلبه واستولى عليه حتى صار شبيه السكران المغلوب ، ( فيقطعك عن محبتي . أولئك قطاع الطريق على عبادي فالقلوب المظلمة بحب الدنيا وشدة الشره والتكالب عليها محجوبة عن نور اللّه تعالى ) لا تستقر فيها المعرفة أبدا ، ( فإن مستضاء أنوار القلوب حضرة الربوبية ، فكيف يستضىء بها من استدبرها وأقبل على عدوها وعشق بغيضها ومقيتها وهي شهوات الدنيا ) ؟ والمقبل على حضرة الربوبية لا يلتفت إلى الشهوات ولا تخطر له على بال ، والمقبل على الشهوات لا يشم رائحة الحضرة ولا يكون له نصيب منها ؛ ( فلتكن همة المريد أولا في أحكام العلم ) ومراعاته وليجعله منزلة أدامه ليقاتل به عدوه ، ( أو في طلب عالم ) بصير متين العلم ( معرض عن الدنيا ) وشهواتها بأن لا يكون متلفتا إليها ( أو ضعيف الرغبة فيها إن لم يجد من هو عديم الرغبة فيها ) فإن وجد أن ذلك في غالب الأزمنة عزيز ، ( وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إن اللّه يحب البصر الناقد ) بالقاف أو هو بالفاء والذال ( عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات » ) قال العراقي : رواه أبو نعيم في الحلية من حديث عمران ابن حصين وفيه حفص بن عمر العدني ضعفه الجمهور ا ه . قلت : ورواه كذلك البيهقي في الزهد ، وأبو مطيع في أماليه ، والحافظ أبو مسعود سليمان بن إبراهيم الأصبهاني في كتاب الأربعين بلفظ « عند مجيء الشبهات وعند نزول الشهوات » وبزيادة « ويحب السماحة ولو على تمرات ويحب الشجاعة ولو على قتل حية » ( جمع بين الأمرين وهما متلازمان حقا ، فمن ليس له عقل وازع عن الشهوات فليس له بصر ناقد في الشبهات ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا » ) قال العراقي : لم أجده وتقدم ، ( فما قدر العقل الضعيف الذي سعد الآدمي به حتى يعمد إلى محوه ومحقه بمقارفة الذنوب ) ومباشرتها ( ومعرفة آفات الأعمال ) ودقائقها ، ( وقد اندرست في هذه الأعصار
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 198 | مرتضى الزبيدي