تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
لي عيسى بن يونس المصري المعروف بالزاهد : إن في صور شابا وكهلا قد اجتمعا على حال المراقبة ؛ فلو نظرت إليهما نظرة لعلك تستفيد منهما ؛ فدخلت صورا وأنا جائع عطشان وفي وسطي خرقة وليس على كتفي شيء ، فدخلت المسجد فإذا بشخصين قاعدين مستقبلي القبلة فسلمت عليهما فما أجاباني فسلمت ثانية وثالثة فلم أسمع الجواب ، فقلت : نشدتكما باللّه ألا رددتما عليّ السلام فرفع الشاب رأسه من مرقعته فنظر إليّ وقال : يا ابن خفيف الدنيا قليل وما بقي من القليل إلا القليل فخذ من القليل الكثير ، يا ابن خفيف ما أقل شغلك حتى تتفرّغ إلى لقائنا ؛ قال : فأخذ بكليتي ثم طأطأ رأسه في المكان فبقيت عندهما حتى صلينا الظهر والعصر فذهب جوعي وعطشي وعنائي ، فلما كان وقت العصر قلت : عظني ؛ فرفع رأسه إليّ وقال : يا ابن خفيف نحن أصحاب المصائب ليس لنا لسان العظة ، فبقيت عندهما ثلاثة أيام لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا رأيتهما أكلا شيئا ولا شربا ، فلما كان اليوم الثالث قلت في سري : أحلفهما أن يعظاني لعلي أنتفع بعظتهما ، فرفع الشاب رأسه إلي وقال : يا ابن خفيف عليك بصحبة من
شرح
والجريري وابن عطاء وغيرهم مات سنة 371 : ( خرجت من مصر أريد الرملة ) قاعدة فلسطين ( للقاء أبي علي ) أحمد بن محمد ( الروذباري ) رحمه اللّه تعالى أقام بمصر ومات بها سنة 322 ، صحب الجنيد والنوري وابن الجلاء وغيرهم ، وكان من أظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة ( فقال لي عيسى بن يونس المصري المعروف بالزاهد : إن في صور ) ثغر من ثغور الشام ( شابا وكهلا قد اجتمعا على حال المراقبة ، فلو نظرت إليهما نظرة لعلك تستفيد منهما ) ، فسافرت في البحر ( فدخلت صورا وأنا جائع عطشان وفي وسطي خرقة وليس على كتفي شيء ، فدخلت المسجد فإذا بشخصين قاعدين مستقبلي القبلة فسلمت عليهما فما أجاباني ، فقلت : لعلهما لم يسمعاني ، فسلمت ثانية وثالثة فلم أسمع الجواب ، فقلت : نشدتكما باللّه ألا رددتما علي السلام ، فرفع الشاب رأسه من رقعته فنظر إلي وقال : يا ابن خفيف الدنيا قليل ) أي في نفسها بالإضافة إلى الآخرة ( وما بقي من القليل إلا القليل فخذ من القليل الكثير . يا ابن خفيف ما أقل شغلك حتى تتفرغ إلى لقائنا . فأخذ بكليتي ) أي مجامعي ( ثم طأطأ رأسه في المكان ) أي عاد للمراقبة من حينه ، ( فبقيت عندهما حتى صلينا الظهر والعصر فذهب جوعي وعطشي وعنائي ، فلما كان وقت العصر قلت : عظني فرفع رأسه إلي وقال : يا ابن خفيف نحن أصحاب المصائب ليس لنا لسان العظة فبقيت عندهما ثلاثة أيام لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا رأيتهما أكلا شيئا ولا شربا . ولما كان في اليوم الثالث قلت في سري : أحلفهما أن يعظاني لعلي أنتفع بعظتهما ، فرفع الشاب رأسه وقال لي : يا ابن خفيف عليك بصحبة من يذكرك اللّه رؤيته وتقع هيبته على قلبك يعظك بلسان فعله ، ولا يعظك بلسان
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 192 | مرتضى الزبيدي