للالتفات إلى الغير أصلا وهذه مراقبة لا نطوّل النظر في تفصيل أعمالها فإنها مقصورة على القلب . أما الجوارح فإنها تتعطل عن التلفت إلى المباحات فضلا عن المحظورات ، وإذا تحركت بالطاعات كانت كالمستعملة بها فلا تحتاج إلى تدبير وتثبيت في حفظها على سنن السداد ، بل يسدد الرعية من ملك كلية الراعي ، والقلب هو الراعي ، فإذا صار مستغرقا بالمعبود صارت الجوارح مستعملة جارية على السداد والاستقامة من غير تكلف ، وهذا هو الذي صار همه هما واحدا فكفاه اللّه سائر الهموم . ومن نال هذه الدرجة فقد يغفل عن الخلق حتى لا يبصر من يحضر عنده وهو فاتح عينيه ، ولا يسمع ما يقال له مع
شرح
ومنكسرا تحت الهيبة ) بدخول الأعضاء بعضها في بعض ، ( فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى الغير أصلا ) ، وهذه الحالة مرادة لذاتها لأنها حالة لا تسع العمل ، فإن الخواطر والجوارح بنية تابعة الروح المأخوذة بالمشاهدة والأحوال لها والأدب عند سكون هذه الحالة رؤية العالم على أتم أنواع الاتقان والإعلام والرضا بمجاري الأقدار وسلب الاختيار لما عاين من جلال اللّه ورؤية الشريعة بعين الوقار وكمال النظام ، لأنه رأى ثمرتها وبركتها . وقيل : السكون أن لا يكون للعقل فراغ لشيء من هذه الآداب وأقل إدراك العقل في هذه أن يرى الحق حقا والباطل باطلا بعلم ضروري لا يفتقر فيه إلى إقامة برهان ، ( وهذه مراقبة لا نطول النظر في تفصيل أعمالها فإنها مقصورة على القلب ) ، فمن جملتها المراقبة المنسوبة إلى الطائفة النقشبندية قدس اللّه أسرارهم قالوا : هي ملاحظة المعنى المقدس من الجلالة وفهمه وحفظه في الخيال ، ثم التوجه به إلى القلب بجميع القوى والمدارك والمداومة عليه ، حتى تذهب الكلفة من البين ويصير ملكة ، فإن عسر ذلك فليتخيله بصورة نور بسيط محيط بجميع الموجودات العلمية والعينية وليجعله في مقابلة البصيرة ، ثم يتوجه به إلى القلب بالوجه المذكور إلى أن تقوى البصيرة وتذهب الصورة ويترتب عليه ظهور المعنى المقصود . قالوا : وهي أعلى من طريق النفي والإثبات وأقرب للجذبة الإلهية عن غيرها كما سيأتي بيانه .
( أما الجوارح : فإنها تتعطل عن التلفت إلى المباحات فضلا عن المحظورات ، فإذا تحركت بالطاعات كانت كالمستعملة بها فلا تحتاج إلى تدبير وتثبيت في حفظها على سنن السداد بل يسدد الرعية من ملك كلية الراعي والقلب هو الراعي ) كما ورد في تأويل الخبر « اللهم أصلح الراعي والرعية » أي القلب والجوارح كما تقدم ، ( فإذا صار مستغرقا بالمعبود صارت الجوارح مستعملة جارية على السداد والاستقامة من غير تكلف ، وهذا هو الذي ) صار همه هما واحدا ( فكفاه اللّه سائر الهموم ) كما روى ابن ماجة من حديث ابن مسعود « من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه اللّه سائر همومه » الحديث . وتقدم ، وروى هناد في الزهد عن سليمان بن حبيب المحاربي مرسلا « من كان همه هما واحدا كفاه اللّه همه » الحديث . ( ومن نال هذه الدرجة فقد يغفل عن الخلق ) رأسا ( حتى لا يبصر من يحضر عنده وهو فاتح