تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
بيان حقيقة المراقبة ودرجاتها : اعلم أن حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه فمن احترز من أمر من الأمور بسبب غيره يقال إنه يراقب فلانا ويراعي جانبه ، ويعني بهذه المراقبة حالة القلب يثمرها نوع من المعرفة ، تثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب . أما الحالة فهي مراعاة القلب للرقيب واشتغاله به والتفاته إليه وملاحظته إياه وانصرافه إليه . وأما
شرح
إليه ونظر السلطان إلى شيء لا يكون عن غير قصد ، فقال الأمير : إنما أخصه بإكرامي وإقبالي عليه لأن لكل أحد شغلا وشغله مراعاة لحظاتي ومراقبة أحوالي . وقال بعضهم : من راقب اللّه في خواطره عصمه اللّه في جوارحه . وسئل أبو الحسين بن هند متى يهش الراعي غنمه بعصا الرعاية من مواقع الهلكة ؟ فقال : إذا علم أن عليه رقيبا . وقال ذو النون : علامة المراقبة إيثار ما آثر اللّه وتعظيم ما عظم اللّه وتصغير ما صغر اللّه . وقال النصراباذي : الرجاء يجرك إلى الطاعات ، والخوف يبعدك عن المعاصي ، والمراقبة تؤديك إلى صرف الحقائق . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سألت جعفر بن نصير عن المراقبة فقال : مراعاة السر لملاحظة الغيب في كل خطرة . وقال إبراهيم الخواص : المراعاة تورث المراقبة والمراقبة خلوص السر والعلانية للّه سمعته يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه يقول : سمعت أبا جعفر الصيدلاني يقول : سمعت أبا سعيد الخراز يقول ، قال لي بعض مشايخي : عليك بمراعاة سرك والمراقبة . قال : بينا أنا أسير في البادية إذا أنا بخشخشة خلفي فهالني ذلك وأردت أن ألتفت فلم ألتفت ، فرأيت شابا واقفا على كتفي فانصرف وأنا مراع لسري ، ثم التفت فإذا أنا بسبع عظيم . وقال الواسطي : أفضل الطاعات حفظ الأوقات ، وهو أن لا يطالع العبد غير حده ، ولا يراقب غير ربه ، ولا يقارن غير وقته ، واللّه أعلم .

بيان حقيقة المراقبة ودرجاتها :

( اعلم ) وفقك اللّه تعالى ( أن ) المراقبة مفاعلة فلا بد من التراقب من الجانبين ، فعلى هذا لا بد للمراقب أن يكون مراقبا لاطلاعه على اطلاع الحق سبحانه على حاله ويداوم على ذلك ، أو يكون مراقبا لاطلاعه على موجده بلا فتور وتشتت الخاطر وهي أفضل من الحياء ، لأن الحياء يتولد عن معرفة عيوب النفس ، والمراقبة لا تفتقر إلى ذلك ، وعلى هذا ( حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه ، فمن احترز من أمر من الأمور بسبب غيره ) حتى لا يغفل عنه ويلاحظه ملاحظة تامة لازمة دائمة لزوما لو عرفه الممنوع عنه لما قدم عليه . ( يقال : إنه يراقب فلانا ويراعي جانبه ) فكأنه يرجع إلى العلم والحفظ . ( ويعني بهذه المراقبة حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب . ) . ( أما الحالة ، فهي مراعاة القلب للرقيب ) في كل خطرة ( واشتغاله به والتفاته إليه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 187 | مرتضى الزبيدي