بيان حقيقة المراقبة ودرجاتها :
اعلم أن حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه فمن احترز من أمر من الأمور بسبب غيره يقال إنه يراقب فلانا ويراعي جانبه ، ويعني بهذه المراقبة حالة القلب يثمرها نوع من المعرفة ، تثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب . أما الحالة فهي مراعاة القلب للرقيب واشتغاله به والتفاته إليه وملاحظته إياه وانصرافه إليه . وأما
شرح
إليه ونظر السلطان إلى شيء لا يكون عن غير قصد ، فقال الأمير : إنما أخصه بإكرامي وإقبالي عليه لأن لكل أحد شغلا وشغله مراعاة لحظاتي ومراقبة أحوالي .
وقال بعضهم : من راقب اللّه في خواطره عصمه اللّه في جوارحه . وسئل أبو الحسين بن هند متى يهش الراعي غنمه بعصا الرعاية من مواقع الهلكة ؟ فقال : إذا علم أن عليه رقيبا . وقال ذو النون :
علامة المراقبة إيثار ما آثر اللّه وتعظيم ما عظم اللّه وتصغير ما صغر اللّه . وقال النصراباذي : الرجاء يجرك إلى الطاعات ، والخوف يبعدك عن المعاصي ، والمراقبة تؤديك إلى صرف الحقائق .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سألت جعفر بن نصير عن المراقبة فقال : مراعاة السر لملاحظة الغيب في كل خطرة .
وقال إبراهيم الخواص : المراعاة تورث المراقبة والمراقبة خلوص السر والعلانية للّه سمعته يقول :
سمعت محمد بن عبد اللّه يقول : سمعت أبا جعفر الصيدلاني يقول : سمعت أبا سعيد الخراز يقول ، قال لي بعض مشايخي : عليك بمراعاة سرك والمراقبة . قال : بينا أنا أسير في البادية إذا أنا بخشخشة خلفي فهالني ذلك وأردت أن ألتفت فلم ألتفت ، فرأيت شابا واقفا على كتفي فانصرف وأنا مراع لسري ، ثم التفت فإذا أنا بسبع عظيم . وقال الواسطي : أفضل الطاعات حفظ الأوقات ، وهو أن لا يطالع العبد غير حده ، ولا يراقب غير ربه ، ولا يقارن غير وقته ، واللّه أعلم .