سفر فرأى غلاما يرعى غنما فقال : تبيع من هذه الغنم واحدة ؟ فقال : إنها ليست لي ، فقال : قل لصاحبها إن الذئب أخذ منها واحدة . فقال العبد : فأين اللّه ؟ فكان ابن عمر يقول بعد ذلك إلى مدة قال ذلك العبد : فأين اللّه ؟ ا ه .
قال الشارح : لأنه لما علم بذلك دينه ومراقبته للّه أعجبه حاله وصار عبرة له يتذكر به زمانا .
قال : وروي أنه سأل عن رب الغنم فاشتراه والغنم وأعتقه ووهبها له .
قلت : والنفس تميل إلى أن هذه القصة وقعت لابن عمر وشاهده رواية ابن دينار عنه وهو مولاه وملازمه في أسفاره ، وقد روي أيضا عن نافع وفيه التصريح بأن الواقعة لابن عمر .
قال ابن شاذان : أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر الأودي ، أخبرنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي ، حدثنا محمد بن يزيد ، حدثنا عبد العزيز قال : قال نافع : خرجت مع ابن عمر في بعض نواحي المدينة ومعه أصحاب له فوضعوا لهم فمر بهم راع فقال له عبد اللّه : هلم يا راعي فأصب من هذه السفرة . فقال : إني صائم ، فقال له عبد اللّه في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت في هذه الشعاب في مثار هذه الغنم بين الجبال ترعى هذه الغنم وأنت صائم ؟ فقال الراعي : أبادر لأيامي الخالية فعجب ابن عمر وقال : هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك نجتزرها ونطعمك من لحمها ما تفطر عليه ونعطيك ثمنها ؟ قال : إنها ليست لي إنها لمولاي . قال : فما عسيت أن يقول لك مولاك إن قلت أكلها الذئب ؟ فمضى الراعي وهو رافع أصبعيه إلى السماء وهو يقول فأين اللّه ؟ فما عدا أن قدم قدم المدينة فبعث إلى سيده فاشترى منه الراعي والغنم فأعتق الراعي ووهب له الغنم .
ومما ذكر القشيري في هذا الباب من الرسالة ، سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الجريري يقول : من لم يحكم بينه وبين اللّه تعالى التقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة . سمعت أبا علي الدقاق يقول : كان لبعض الأمراء وزير فكان بين يديه يوما فالتفت إلى بعض الغلمان الذين كانوا وقوفا لا لريبة ولكن لحركة أو صوت أحس منهم ، فاتفق ان ذلك الأمير نظر إلى هذا الوزير في تلك الحالة فخاف الوزير أن يتوهم الأمير أنه نظر إليهم لريبة فجعل ينظر إليه كذلك ، فبعد ذلك اليوم كان هذا الوزير يدخل على الأمير أبدا وهو ينظر إلى جانبه حتى توهم الأمير أن ذلك خلقه وحول فيه ؛ فهذا مراقبة مخلوق لمخلوق فكيف مراقبة العبد لسيده ؟
سمعت بعض الفقراء يقول : كان أمير له غلام يقبل عليه أكثر مراقبا له على غيره من غلمانه ولم يكن أكثرهم قيمة ولا أحسنهم صورة ، فقالوا له في ذلك فأراد الأمير أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره ، فيوما من الأيام كان راكبا ومعه الحشم وبالبعد منهم جبل عليه ثلج ، فنظر الأمير إلى ذلك الثلج وأطرق فركض الغلام فرسه ولم يعلم القوم لماذا ركض ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء ومعه شيء من الثلج فقال الأمير : ما أدراك أني أردت الثلج ؟ فقال الغلام : لأنك نظرت
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 186
مساهمون: مرتضى الزبيدي
ص١٨٦