المعرفة التي تثمر هذه الحالة فهو العلم بأن اللّه مطلع على الضمائر عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد قائم على كل نفس بما كسبت ، وأن سر القلب في حقه مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف بل أشدّ من ذلك . فهذه المعرفة إذا صارت يقينا أعني انها خلت عن الشك ، ثم استولت بعد ذلك على القلب وقهرته ؛ فرب علم لا شك فيه لا يغلب على القلب كالعلم بالموت ، فإذا استولت على القلب استجرت القلب إلى مراعاة جانب الرقيب وصرفت همه إليه ، والموقنون بهذه المعرفة هم المقربون ، وهم ينقسمون إلى الصدّيقين وإلى أصحاب اليمين فمراقبتهم على درجتين :
الدرجة الأولى : مراقبة المقربين من الصدّيقين ؛ وهي مراقبة التعظيم والإجلال ، وهو أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال ومنكسرا تحت الهيبة فلا يبقى فيه متسع
شرح
وملاحظته إياه وانصرافه إليه ) ، وإليه يشير كلام جعفر بن نصير في المراقبة الذي تقدم قريبا إذ قال : هي مراعاة السر لملاحظة الغيب في كل خطرة ، وكلام الخواص ، المراعاة تورث المراقبة ، وكان هذا أول درجات المراقبة ، ثم إن المراقبة كغيرها من المقامات تنتظم من علم وحال وعمل وقد أشار المصنف إلى العلم بقوله :
( وأما المعرفة التي تثمر هذه الحال فهو العلم ) بصفات الألوهية المحدقة بالوجود كله بكل جزء منه على انفراده كعلمه وبصره وسمعه والإيمان بها ، و ( بأن اللّه مطلع على الضمائر عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد قائم على كل نفس بما كسبت ، وأن سر القلب في حقه مكشوف ، كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف بل أشد من ذلك ) وأقوى ، وإليه يشير كلام أبي الحسين بن هند الذي تقدم ، والإيمان بهذه الصفات واجب وهو من الإيمان باللّه ، ( فهذه المعرفة إذا ) تقوت ( صارت يقينا أعني أنها خلت عن ) أن يمازجه ( الشك ) والريب ، ( ثم استولت بعد ذلك على القلب ) الصنوبري ( وقهرته ) أي ملكته ملكا تاما لم تبق فيه منازعة لخاطر ، وحصول هذا المعنى بعد اليقين شرط ، ( فرب علم لا يشك فيه لا يغلب على القلب ) ولا يستوليه ( كالعلم بالموت ) فإنه يقيني إلا أنه لا يقهر بعض القلوب ، ( فإذا استولت على القلب استجرت القلب إلى مراعاة جانب الرقيب وصرفت همه إليه ) بالكلية وتحقق بمقام الإحسان المشار إليه في الخبر ، ( والموقنون بهذه المعرفة هم المقربون ) في الحضرة الإلهية ( وهم ينقسمون إلى الصديقين وإلى أصحاب اليمين ، فمراقبتهم ) أي المقربين ( على درجتين )
( الدرجة الأولى : مراقبة المقربين من الصديقين وهي ) لها بداية ونهاية ، فثمرة بدايتها رعاية الخواطر وكشف ما التبس منها والأدب مع اللّه بحرمة مراقبة اللّه ، ونهاية هذه الدرجة ( مراقبة التعظيم والإجلال ) والهيبة ، ( وهو أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال