تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
عثمان : قال لي أبو حفص ، إذا جلست للناس فكن واعظا لنفسك وقلبك ولا يغرنّك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك واللّه رقيب على باطنك . وحكي أنه كان لبعض المشايخ من هذه الطائفة تلميذ شاب وكان يكرمه ويقدمه فقال له بعض أصحابه : كيف تكرم هذا وهو شاب ونحن شيوخ ؟ فدعا بعدّة طيور وناول كل واحد منهم طائرا وسكينا وقال : ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه أحد ودفع إلى الشاب مثل ذلك وقال له كما قال لهم ، فرجع كل واحد بطائره مذبوحا : ورجع الشاب والطائر حي في يده ، فقال : ما لك لم تذبح كما ذبح أصحابك ؟ فقال : لم أجد موضعا لا يراني فيه أحد إذ اللّه مطلع علي في كل مكان ، فاستحسنوا منه هذه المراقبة وقالوا : حق لك أن تكرم .
شرح
قائما ) بأن تكون حركاتك وسكناتك موزونة بالشرع نقله القشيري سماعا من محمد بن الحسين قال : سمعت أبا الحسين الفارسي يقول : سمعت الجريري يقول فذكره . ( وقال أبو عثمان ) الجيدي النيسابوري ، ( قال لي أبو حفص ) عمرو بن مسلمة الجواد شيخ الجنيد . ( إذا جلست للناس ) أي لوعظهم ( فكن واعظا لنفسك وقلبك ) لينتفعوا بوعظك ، فإنه إذا صلحت نيتك في وعظ نفسك خرج الكلام من قلبك وله وقع في قلب السامع ، ( ولا يغرنك اجتماعهم عليك ) أي حولك ، ( فإنهم يراقبون ظاهرك واللّه رقيب على باطنك ) نقله القشيري سماعا عن محمد بن الحسين قال : سمعت عبد اللّه الرازي يقول : سمعت أبا عثمان يقول ، قال لي أبو حفص فذكره إلا أنه قال : واللّه رقيب على باطنك ، وفي نسخة واللّه يراقب باطنك . ( وحكي أنه كان لبعض المشايخ من هذه الطائفة تلميذ شاب ) وكان يخصه و ( يكرمه ويقدمه ) على جماعته ويقبل عليه أكثر مما يقبل على غيره ( فقال له بعض أصحابه : كيف تكرم هذا وهو شاب ونحن شيوخ ) فما السبب ؟ فقال : أبين لكم ذلك ( فدعا بعدة طيور وناول كل واحد منهم طائرا ) الأولى طيرا ( وسكينا وقال : ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه أحد ودفع إلى ) هذا ( الشاب مثل ذلك وقال له كما قال لهم ، فرجع كل واحد بطائره مذبوحا ) لأنه لم ير بمكان الذبح أحدا من بني آدم ، ( ورجع الشاب والطائر حي في يده فقال ) له : ( مالك لم تذبح كما ذبح أصحابك ؟ فقال ) أمرتني أن أذبحه حيث لا يراه أحد ، وأنا ( لم أجد موضعا لا يراني فيه أحد ، إذ اللّه مطلع علي في كل مكان فاستحسنوا منه هذه المراقبة ) وقال الشيخ ، لهذا أخصه باقبالي عليه ، ( وقالوا ) له ، ( حق لك أن تكرم ) ويقبل عليك . حكاه القشيري في الرسالة بمعناه ، وفيه دلالة على أن المراقبة للّه تعالى أفضل المقامات ، وإن ارتفعت مقامات العابدين وقوي اجتهادهم فإنهم مشغولون بصلاح قلوبهم وأحوالهم ، والمراقب للّه قد غلب على قلبه نظره إليه في سائر تصرفاته ، وكان الشيخ يعرف فضيلة هذا الشاب ورفعة مقامه