تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
التَّغابُنِ
[ التغابن : 9 ] فهذه وصيته لنفسه في أوقاته . ثم ليستأنف لها وصية في أعضائه السبعة وهي العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل ، وتسليمها إليها فإنها رعايا خادمة لنفسه في هذه التجارة وبها تتم أعمال هذه التجارة ، وإن لجهنم سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ، وإنما تتعين تلك الأبواب لمن عصى اللّه تعالى بهذه الأعضاء ، فيوصيها بحفظها عن معاصيها . أما العين ؛ فيحفظها عن النظر إلى وجه من ليس له بمحرم ، أو إلى عورة مسلم ، أو النظر إلى مسلم بعين الاحتقار ، بل عن كل فضول مستغنى عنه ، فإن اللّه تعالى يسأل عبده عن فضول النظر كما يسأله عن فضول الكلام ، ثم إذا صرفها عن هذا لم تقنع به حتى يشغلها بما فيه تجارتها وربحها ، وهو ما خلقت له من النظر إلى عجائب صنع اللّه بعين
شرح
والجمع جمع الملائكة والثقلين (ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ) يغبن فيه بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا أشقياء ، وبالعكس مستعار من تغابن التجار ، واللام فيه للدلالة على أن التغابن الحقيقي هو التغابن في أمور الآخرة لعظمها ودوامها . ( فهذه وصيته لنفسه في أوقاته ، ثم يستأنف لها وصية في أعضائه السبعة وفي العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل وتسلمها إليها ، فإنها ) أي تلك الأعضاء بمنزلة ( رعايا خادمة لنفسه في هذه التجارة وبها تتم أعمال هذه التجارة ، وأن لجهنم سبعة أبواب ) يدخلونها لكثرتهم أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة وهي : جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية . ولعل تخصيص العدد لانحصار مجامع المهلكات في الركون إلى المحسوسات ومتابعة القوة الشهوية والغضبية ، أو لأن أهلها سبع فرق كما قال تعالى :وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ[ الحجر : 43 ] لها سبعة أبواب ( لكل باب منهم جزء مقسوم ) أفرز له فأعلاها لموحدي العصاة ، والثاني لليهود ، والثالث للنصارى ، والرابع للصابئين ، والخامس للمجوس ، والسادس للمشركين ، والسابع للمنافقين . ( وإنما تتعين تلك الأبواب لمن عصى اللّه تعالى بهذه الأعضاء ) وهذا وجه آخر لتخصيص العدد ( فيوصيها بحفظها عن معاصيها ) . ( أما العين ؛ فيحفظها عن النظر إلى وجه من ليس له بمحرم ) ، ولا إلى عضو آخر غير الوجه ( أو إلى عورة مسلم أو النظر إلى مسلم بعين الاحتقار بل ) يحفظها ( عن كل فضول مستغنى عنه ، فإن اللّه يسأل عبده عن فضول النظر كما يسأله عن فضول الكلام ) روى عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد ، عن أبي موسى الأنصاري ، عن عبادة بن كليب قال : قال رجل لداود الطائي : لو أمرت بما في سقف البيت من نسج العنكبوت فينظف ؟ قال له : أما عملت أنه يكره فضول النظر ، ( ثم صرفها عن هذا لم يقنع به حتى يشغلها بما فيه تجارتها وربحها وهو ما خلقت له ) أي لأجله ( من النظر إلى عجائب صنع اللّه ) في الملك ( بعين الاعتبار ، والنظر