تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشهداء ، فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيرا من تدقيقه في أرباح الدنيا مع أنها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى ، ثم كيفما كانت فمصيرها إلى التصرم والانقضاء ، ولا خير في خير لا يدوم بل شر لا يدوم خير من خير لا يدوم ، لأن الشر الذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائما وقد انقضى الشر ، والخير الذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائما وقد انقضى الخير . ولذلك قيل :
أشدّ الغم عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه انتقالا
فحتم على كل ذي حزم آمن باللّه واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وحظواتها . فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشتري بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد فانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل . فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ
شرح
وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشهداء ) وناهيك به ربحا . ( فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيرا من تدقيقه في أرباح الدنيا ) ومناقشته فيها ( مع أنها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى ثم كيفما كانت فمصيرها إلى التصرم والانقضاء ) والهلاك والفناء ، ( ولا خير في خير لا يدوم بل شر لا يدوم خير من خير لا يدوم ، لأن الشر الذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائما ، وقد انقضى الشر والخير الذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائما وقد انقضى الخير ) وهذا بالإضافة إلى العواقب ، ( ولذلك قيل ) قائله المتنبي :( أشد الغم عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه انتقالا )وقد مر أنشاده للمصنف في مواضع من كتابه هذا . ( فحتم على كل ذي حزم آمن باللّه واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وحظواتها ) أي في سائر أحوالها ، فالمحاسبة هي ميزان الأعمال والأحوال لتتميز بها مصالح الأعمال من مفاسدها وحقائق الأحوال من دعاويها ، والمحاسبة للأعمال والأحوال كالبراهين لصحة العلوم ، فمن لا برهان معه خالط علمه الوهم والخيال ، ومن لا محاسبة له شاب عمله الغرور والخداع ، وهذه المحاسبة واجبة بالإجماع . هكذا هو منقول عن الحرث المحاسبي . وسياق المصنف يشير إليه والكتاب والسنة والأثر يدل على ذلك ، ( فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يضاهي نعيمه أبدا الآباد ) إلى آخر الدهر ، ( فانقضاء هذه الأنفاس ضائعة ومصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل ) ، فانظر إلى حال من لم يملك من الدنيا إلا درهما