تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
قلبه ساعة لمشارطة النفس كما أنّ التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته . فيقول للنفس : ما لي بضاعة إلا العمر ومهما فني فقد فني رأس المال ووقع اليأس عن التجارة وطلب الربح ، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني اللّه فيه وأنسأ في أجلي وأنعم عليّ به ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوما واحدا حتى أعمل به صالحا ، فاحسبي أنك قد توفيت ثم قد رددت فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم فإنّ كل نفس من الأنفاس جوهرة لا قيمة لها ، واعلمي يا نفس أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة ، وقد ورد في الخبر : « أنه ينشر للعبد بكل يوم وليلة أربع وعشرون
شرح
واحدا وهو رأس ماله وخرج يتجر فيه لعائلته ليسعدوا بربحه ، وإذا هو برجلين مثله لكل واحد منهما درهم مثله فاختلفت آراؤهم في التجارة ، فوجد أحدهم جوهرة بدرهمه وأشار إلى صاحبيه أن يفعلا كفعله فلم يفعلا فسعد هو وأهله بالجوهرة ، وأما أحد الرجلين فقال : هذا رأس مال قليل فلا يكفيني ولا يكفي أهلي فأنا أرمي به من يدي واتكل على اللّه تعالى في أن يكفيني وأهلي بلا تجارة ، وأما الرجل الآخر فوجد حية عظيمة ينادى عليها بدرهم والمنادي يقول : احذروها فإنها حية لين مسها قاتل سمها ، فغلبت عليه شقوته واشترى الحية بدرهمه وحملها إلى أهله فقتلته وقتلت عياله ، فانظر إلى هذا المثال فإنه يعرفك قيمة عمرك فإن الدرهم هو النفس الواحد إذ لا يملك كل واحد من الأحياء غير النفس الراهن وما هو في ثاني حال مشكوك فيه ، وقد انقسمت الناس في أنفاسهم هذا الانقسام فمنهم من عرف قدر نفسه فاشترى به جوهرة أضاءت عليه في محياه ومماته وهو صرفه في ذكر اللّه تعالى والفكر في معرفته ، والثاني جهل سنة ربه في قولهوَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى[ النجم : 39 ] فصرفه في مباح يتحسر على فواته إذا عاين ربح الرابحين وهو يعلم أن لم يكن معهم إلا مثل رأس ماله ، وأما الثالث فازداد جهلا ثانيا وهو الجهل بالبضائع فاشترى بضاعة شقيت بها نفسه وهو صرف نفسه في معصية اللّه تعالى ، فنعوذ باللّه من الجهل . ( فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النفس ، كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل ) في تجارته ( يفرغ المجلس لمشارطته فيقول للنفس ) في مشارطتها : ويحك يا نفس ( ما لي بضاعة ) أعتمد عليها ( إلا ) هذا ( العمر ، ومهما فني فقد فني رأس المال ووقع اليأس عن التجارة وطلب الربح ، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني اللّه فيه وأنسأ في أجلي ) أي أخره ( وأنعم علي به ، ولو توفاني ) كما توفي غيري من أقراني ولداتي ( لكنت أتمنى ) على اللّه ( أن يرجعني إلى الدنيا يوما واحدا حتى أعمل فيه صالحا ) كما أخبر اللّه تعالى بقوله :قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً[ المؤمنون : 99 ] ( فاحسبي ) يا نفس ( أنك قد توفيت ثم قد رددت ) إلى الدنيا ثانيا ، ( فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم فإن كل نفس من الأنفاس جوهرة ) يتيمة ( لا قيمة لها واعلمي يا نفس أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة ) من ساعات الزمان ، ( وقد ورد في الخبر « أنه