تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
المقام الأول من المرابطة : المشارطة : اعلم أنّ مطلب المتعاملين في التجارات المشتركين في البضائع عند المحاسبة سلامة الربح وكما أنّ التاجر يستعين بشريكه فيسلم إليه المال حتى يتجر ثم يحاسبه ، فكذلك العقل هو التاجر في طريق الآخرة وإنما مطلبه وربحه تزكية النفس لأن بذلك فلاحها قال اللّه تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
[ الشمس : 9 ، 10 ] وإنما فلاحها بالأعمال الصالحة ، والعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة ، إذ يستعملها ويستسخرها فيما يزكيها كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتجر في ماله ، وكما أن الشريك يصير خصما منازعا يجاذبه في الربح فيحتاج إلى أن يشارطه أوّلا ويراقبه ثانيا ويحاسبه ثالثا ويعاقبه أو يعاتبه رابعا ؛ فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أوّلا فيوظف عليها الوظائف ويشرط عليها الشروط ويرشدها إلى طرق الفلاح ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطرق ، ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة ، فإنه لو أهملها لم ير منها إلا الخيانة وتضييع رأس المال كالعبد الخائن إذا خلا له الجوّ وانفرد بالمال . ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى
شرح

المقام الأول من المرابطة : المشارطة :

وهو في الأصل إجراء الشرط بين متعاملين . ( اعلم ) نور اللّه قلبك ( أن مطلب المتعاملين ) في التجارات ( المشتركين في البضائع ) والنقود ( عند المحاسبة ) مع بعضهم ( سلامة الربح ) الحاصل من التصرف ( وكما أن التاجر يستعين بشريكه فيسلم إليه المال حتى يتجر ثم يحاسبه ، فكذلك العقل هو التاجر في طريق الآخرة وإنما مطلبه ) الأعلى ( وربحه ) الأوفر ( تزكيه النفس ) أي تطهيرها من المذام والخبائث ( لأن بذلك فلاحها . قال اللّه تعالى :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) أنماها بالعلم والعمل (وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) نقصها وأخفاها بالجهالة والفسوق ( وإنما فلاحها بالأعمال الصالحة ) على وفق المعارف الإلهية ( والعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة إذ يستعملها ويستسخرها فيما يزكيها ) وينميها ، ( كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتجر في ماله ) فيما ينمي المال ، ( وكما أن الشريك يصير خصما منازعا يجاذبه في الربح فيحتاج إلى أن يشارطه أولا ، ويراقبه ثانيا ، ويعاتبه أو يعاقبه رابعا ، فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولا فيوظف عليها الوظائف ويشرط عليها الشروط ويرشدها إلى طرق الفلاح ويجزم الأمر بسلوك تلك الطرق ، ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة ) واحدة ( فإنه لو أهملها لم ير منها إلا الخيانة ) الظاهرة ، ( وتضييع رأس المال كالعبد الخائن إذا خلا له الجو ) وزالت عنه الموانع ( وانفرد بالمال ) فإنه تشتد خيانته ويبدد المال حيث لا ينفع فإنه إما لبطنه أو لفرجه ، ( ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى