الطاعات ما تيسرت ، فمنه العطاء والجزاء والإبعاد والإدناء والإسعاد والإشقاء والصلاة على محمد سيد الأنبياء وعلى آله سادة الأصفياء وعلى أصحابه قادة الأتقياء .
أما بعد ؛ فقد قال اللّه تعالى :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
[ الأنبياء : 47 ] ،
شرح
إذا ثقلت ، وبتيسيره تيسرت من الطاعات ما تيسرت فمنه ) تعالى وحده ( العطاء والجزاء ) أي فهو المعطي والمجازي ، ( والإبعاد والإدناء ) أي وهو المبعد والمدني ( والإسعاد والإشقاء ) أي وهو المسعد والمشقي لا إله إلا اللّه جل جلاله ، ( والصلاة على ) سيدنا ( محمد سيد الأنبياء ) أي رئيسهم ومقدمهم ، ( وعلى آله سادة الأصفياء وعلى أصحابه قادة الأتقياء ) وسلم عليه تسليما كثيرا .
( أما بعد ؛ فقد قال اللّه تعالى ) في كتابه العزيز ، (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ) أي العدل توزن بها صحائف الأعمال ، وقيل : وضع الميزان تمثيل لإرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال بالعدل وإفراد القسط لأنه مصدر وصف به للمبالغة ( ليوم القيامة ) أي لجزاء يوم القيامة أو لأجله أو فيه ، كقولك : جئت لخمس خلون من الشهر (فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) من حقه (وَإِنْ كانَ) العمل (مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها) أي أحضرناها والضمير للمثقال وتأنيثه لإضافته إلى الحبة (وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) أي لا مزيد على علمنا وعدلنا .
أخرج ابن عبد البر في كتاب جامع العلم من طريق حماد بن زيد ، عن أبي حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم في قوله تعالىوَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِقال : يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه فيرجح فيقال له : أتدري ما هذا ؟ فيقول : لا ، فيقال : هذا فضل العلم الذي كنت تعلمه الناس أو نحو هذا ، وحدث به عبد اللّه بن أحمد في كتاب العلل عن أبيه ، حدثنا عبد القدوس ابن بكر بن خنيس ، حدثنا الحجاج عن حماد قال : إن العالم ليغشاه يوم القيامة مثل الغمام فيوضع في ميزانه فيقول : ما هذا ؟ فيقال : العلم الذي علمته الناس . وقال أيضا : حدثني أبي ، حدثنا عبد القدوس ، عن رجل قد سماه - يعني أبا حنيفة - عن حماد مثله . وخرجه ابن مردويه في كتاب فضل العلم من طريق مسلم بن إبراهيم ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أبي حنيفة عن حماد
قال الحافظ بن ناصر الدين في منهاج السلامة : ونصب ميزان الحق يوم القيامة بين الخلق لفوائد عظيمة وحكم بهية اقتضتها الحكمة الإلهية مع علم اللّه العليم الخبير بمقادير الأعمال الصغير والكبير ، لا يغيب عن نظره غائب ولا يفوته هارب ولا يؤده حفظ ما خلق وهو السميع العليم ، وإنما الحكمة في وزن أعمال العباد أن ذلك لامتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا وهو أحد الأقوال في معنى ذلك ، وقيل : لإظهار السعادة والشقاوة يوم القيامة ، وقيل ليعرف العباد ما لهم من خير وشر ، وقيل لإقامة الحجج عليهم ، وقيل للإعلام بأن اللّه عز وجل عادل لا يظلم من خلقه أحدا يربي الحسنات لصاحبها ويضاعفها .