إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 163
كتاب المراقبة والمحاسبة وهو الكتاب الثامن من ربع المنجيات من كتب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم الحمد للّه المطلع على أسرار الغيوب ، الرقيب على بواطن القلوب ، الكاشف دهماء الكروب ، الذي عظم حلمه فعفا وعدل في كل نفس ما قضى ، وعلم ما يمضي وما مضى ، أحمده على نعمه الكرام وآلائه العظام ومواهبه الجسام ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه مبتدع الخلائق ومنشئهم بلا اقتدا ، وتعليم ولا احتذا ، لمثال لصانع حكيم ولا إصابة خطا ، ولا حضرة ملا ، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده المصطفى ورسوله المجتبى وأمينه على وحي السما ، أرسله بظهور الفلج ، وانفتاح المنهج ، فبلغ الرسالة صادعا بها ، وحمل على المحجة دالا عليها ، وأقام أعلام الاهتداء ، ومنار الضيا ، وجعل أمراس الإسلام متينة ، وعرى الإيمان به وثيقة ، صلى اللّه عليه وعلى آله مصابيح الدجى ، وأصحابه مفاتيح الهدى ، وسلم تسليما كثيرا وبعد فهذا شرح : كتاب المراقبة والمحاسبة وهو الثامن والثلاثون من كتب الإحياء لإمام الأنام مصباح الظلام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي ، أفاض اللّه على روحه الزكية فيوضات رحمته وبره المتوالي ، بنيت على قواعد إيوانه صرح الصفا ، وكشفت عن مخدرات معانيه أكنة الخفا بتحرير عبارات رائقة وتحبير إشارات فائقة ، يشتاق لها كل عارف بصير وينتفع كل سالك منير ، فالمراقبون يقتبسون من أنواره ، والمحاسبون يلتمسون من أسراره ، والمحبون يتنسّمون من فوائح أزهاره ، والعاملون يشامون أرياح نضاره ، والزاهدون يشمون أريج نفحاته ، والمتوكلون يترشفون بسلاف رشحاته ، والعارفون يدنون حول حماه ، والمحققون عاكفون على ما أشرعت فيه ، والقلوب واجفة والخواطر بالمصائب كاسفة والأفكار بالأراجيف راجفة ، والهموم من سائر الأطراف متكاثفة ، واللّه أسأل خفي الألطاف والإعانة على ما أرجو والنجاة مما أخاف ، إنه سميع قريب ، ولدعاء المناجين مجيب .