تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
لشقيت في صعيد القيامة وهلكت ، وبعد المجاهدة والمحاسبة والمراقبة لولا فضله بقبول بضاعتها المزجاة لخابت وخسرت ، فسبحان من عمت نعمته كافة العباد وشملت ، واستغرقت رحمته الخلائق في الدنيا والآخرة وغمرت ، فبنفحات فضله اتسعت القلوب للإيمان وانشرحت ، وبيمن توفيقه تقيدت الجوارح بالعبادات وتأدبت ، وبحسن هدايته انجلت عن القلوب ظلمات الجهل وانقشعت ، وبتأييده ونصرته انقطعت مكائد الشيطان واندفعت ، وبلطف عنايته تترجح كفة الحسنات إذا ثقلت ، وبتيسيره تيسرت من
شرح
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله :عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْقال : من سنة صالحة يعمل بها بعده فإن له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، أو سنة سيئة يعمل بها بعده فإن عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينتقص من أوزارهم . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : ما قدمت من عمل خير أو شر وما أخرت من سيئة يعمل بها من بعده . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قولهعَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْقال : ما أدت إلى اللّه مما أمرها اللّه به وما ضيعت . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : ما قدمت من خير وما أخرت من حق اللّه عليها لم تعمل به ، وعن سعيد بن جبير قال : ما قدمت من خير وما أخرت ما حدثت به نفسه ولم يعمل به ، وعن مجاهد ، ما قدمت من خير وما أخرت ما أمرت أن تعمل فتركت ، وعن عطاء قال : ما قدمت بين يديها وما أخرت وراءها من سيئة يعمل بها من بعده . ( فتعلم أنه لولا لزومها للمراقبة والمحاسبة في الدنيا لشقيت في صعيد القيامة ) وهي الأرض المستوية التي يحشر الناس عليها ( وهلكت ، وبعد المجاهدة والمحاسبة والمراقبة لولا فضل اللّه بقبول بضاعتها المزجاة ) وهي الخسيسة التي يدفعها كل معروض عليه فلا تنفق ( لخابت وخسرت ) وخسارتها عدم رواجها ، ( فسبحان من عمت نعمته كافة العباد فشملت ) أي جميعهم عامهم وخاصهم وكافة مصدر على فاعله كالعافية والعاقبة لا يثنى ولا يجمع ، ( واستغرقت رحمته الخلائق في الدنيا والآخرة ، وغمرت ) وهي الرحمة العامة التي تتناول المستحق وغير المستحق والضرورات والحاجات والمزايا الخارجة عنها ، ( فبنفحات فضله ) جمع نفحة وهي العطية ( اتسعت القلوب للإيمان وانشرحت ) فقبلته واستقر فيها ، ( وبيمن توفيقه ) أي هدايته لما يوافقه ( تقيدت الجوارح بالعبادات وتأدبت ) فاستحلتها واستخفت ، ( وبحسن هدايته انجلت عن القلوب ظلمات الجهل وانقشعت ) أي انزاحت فاهتدت بمعرفته الخاصة واطمأنت ، ( وبتأييده ونصرته انقطعت ) عنه ( مكائد الشيطان ) ومصائده وفخوخه التي على قلوب المؤمنين ( واندفعت ، وبلطف عنايته ) السابقة بعباده ( تترجح كفة الحسنات