بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه القائم على كل نفس بما كسبت ، الرقيب على كل جارحة بما اجترحت ، المطلع على ضمائر القلوب إذا هجست ، الحسيب على خواطر عباده إذا اختلجت ، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض تحرّكت أو سكنت ، المحاسب على النقير والقطمير والقليل والكثير من الأعمال وإن خفيت ، المتصل بقبول طاعات العباد وإن صغرت ، المتطوّل بالعفو عن معاصيهم وإن كثرت ، وإنما يحاسبهم لتعلم كل نفس ما أحضرت ، وتنظر فيما قدمت وأخرت ، فتعلم أنه لولا لزومها للمراقبة والمحاسبة في الدنيا
شرح
قال المصنف رحمه اللّه تعالى : ( بسم اللّه الرحمن الرحيم ) المستعان به على كل أمر عظيم .
( الحمد للّه القائم على كل نفس ) أي الرقيب عليه ( بما كسبت ) من خير أو شر لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ولا يفوت عنده شيء من جزائهم أشار به إلى قوله تعالىأَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ[ الرعد : 33 ] وقيامه تعالى بذاته مطلقا وقيام كل شيء به ، ( الرقيب ) أي العليم والحفيظ ( على كل جارحة بما اجترحت ) وذلك بمراعاتها على اللزوم والدوام ، ( المطلع على ضمائر القلوب إذا هجست ) أي وقعت وخطرت ، ( الحسيب ) أي الحاسب ( على خواطر عباده إذا اختلجت ) أي تحركت وانبعثت ، ( الذي لا يعزب ) أي لا يغيب ( عن علمه ) المحيط الشامل لسائر معلوماته ( مثقال ذرة في السماوات والأرض تحركت أو سكنت ) أي لا يشذ عن علمه شيء قليلا كان أو كثيرا متحركا كان أو ساكنا ، ( المحاسب على النقير ) وأصله النكتة في ظهر النواة ( والقطمير ) وهو شبه الخيط في بطن النواة ( والقليل والكثير من الأعمال وإن خفيت ) ودق ظهورها في الأعين ، ( المتفضل بقبول طاعات العباد وإن صغرت ، المتطول بالعفو عن معاصيهم وإن كثرت ) فالقبول والعفو إنما هما من تفضلاته ، وإذا كان القبول حاصلا والعفو شاملا فلما ذا الحساب ؟ فقال : ( وإنما يحاسبهم لتعلم كل نفس ما أحضرت ) من أعمالها بين يديه تعالى ، ( وتنظر فيما قدمت ) من عمل أو صدقة ( وأخرت ) من سيئة أو تركة ، ويجوز أن يراد بالتأخير التضييع يشير بذلك إلى قوله تعالىعَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ[ التكوير : 14 ] وهو جواب « إذا » ، والمذكور في سياقها اثنتا عشرة خصلة ست منها في مبادئ قيام الساعة قبل فناء الدنيا وست بعده لأن المراد زمان متسع شامل لها ولمجازاة النفوس على أعمالها ونفس في معنى العموم كقولهم : تمرة خير من جرادة ، وإلى قوله تعالىعَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ[ الانفطار : 5 ] وهو أيضا جواب « إذا » .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن حاتم وابن مردويه من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال : لما نزلتإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْقال عمر لما بلغعَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْقال : لهذا أجري الحديث .