تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
صابرا اتخذته وليا وحبيبا ، وإن وجدته جزوعا يشكوني إلى خلقي خذلته ولا أبالي . فإذا من علامات الصدق كتمان المصائب والطاعات جميعا وكراهة اطلاع الخلق عليها .
شرح
يشكوني إلى خلقي خذلته ولا أبالي ، فإذا من علامات الصدق كتمان المصائب والطاعات جميعا وكراهة اطلاع الخلق عليها ) . قال القشيري في الرسالة : سئل الحرث المحاسبي عن علامات الصدق فقال : الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ، ولا يحب اطلاع الناس على مثل المثاقيل الذر من حسن عمله ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من عمله ، فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم وليس من أخلاق الصديقين . قال صاحب القاموس : هذا إذا لم يكن له مراد بذلك سوى عمارة حاله عندهم وسكناه في قلوبهم تعظيما له ، وأما لو كان مراده بذلك تنفيذا لأمر اللّه ونشرا لدينه ودعوة إلى اللّه ، فهذا الصادق حقا واللّه يعلم سرائر القلوب ومقاصدها ا ه . وقال القشيري : ثلاث لا يخطئن : الصادق الحلاوة والهيبة والملاحة . ولنختم هذا الباب بما يتعلق بالصدق ثم نتبعه بحكاية الصادقين . قال صاحب القاموس في البصائر : الصديق الكثير الصدق ، وقيل : من لم يصدر منه الكذب أصلا ، وقيل : من لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق . وقيل : من صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله ، والصديقون قوم دون الأنبياء في الفضيلة ولكن درجتهم ثاني درجة النبوة . وفي الجملة ؛ منزلة الصدق من أعظم منازل القوم الذي نشأ منه جميع منازل السالكين ، وهو الطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين ، وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان وسكان الجنان من أهل النيران ، وهو سيف اللّه في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه ولا واجه باطلا إلا أزاله وصرعه ، فهو روح الأعمال ، والحامل على اقتحام الأهوال ، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال ، وقد قسم اللّه سبحانه الناس إلى صادق ومنافق فقاللِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ[ الأحزاب : 24 ] والإيمان أساسه الصدق والنفاق أساسه الكذب ، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما يحارب الآخر وأخبر سبحانه أنه في القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه فقال تعالىهذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[ المائدة : 120 ] وقال :وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ[ الزمر : 33 - 35 ] فالذي جاء بالصدق هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله ، فالصدق في الأقوال استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها ، والصدق في الأعمال استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد ، والصدق في الأحوال استواء أعمال