تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
شرح
وأنه حق وداومه ونفعه وكمال عائدته فإنه متصل بالحق سبحانه كان به وله فهو صدق غير كذب وحق غير باطل ودائم غير زائل ونافع غير ضار وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل . ومن علامات الصدق طمأنينة القلب إليه ، ومن علامات الكذب حصول الريبة كما في الترمذي مرفوعا : « الصدق طمأنينة والكذب ريبة » وفي الصحيحين « إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند اللّه صديقا » الحديث . فجعل الصدق مفتاح الصديقية ومبدؤها وهي غايته فلا ينال درجتها كاذب البتة لا في قوله ولا في عمله ولا في حاله ، ولا سيما كاذب على اللّه في أسمائه وصفاته بنفي ما أثبته لنفسه أو باثبات ما نفاه عن نفسه ، فليس في هؤلاء صديق أبدا ، وكذلك الكذب عليه في دينه وشرعه بتحليل ما حرمه وتحريم ما أحله وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما أسقطه وكراهة ما أحبه واستحباب ما لم يحبه كل ذلك مناف للصديقية . كذلك الكذب معه في الأعمال بالتحلي بحلية الصالحين الصادقين المخلصين الزاهدين المتوكلين وليس منهم ، وكانت الصديقية كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة في كل الأمور ، حتى أن صدق المتبايعين يحل البركة في بيعهما فكذبهما يمحق بركة بيعهما كما في الصحيحين « البائعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما » ا ه . وأما حكايات الصادقين فقال القشيري في الرسالة : سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : كان أبو علي الثقفي يتكلم يوما فقال له عبد اللّه بن المبارك ، يا أبا علي استعد للموت فلا بد منه ، فقال أبو علي ، وأنت يا عبد اللّه استعد للموت فإنه لا بد منه ، فتوسد عبد اللّه ذراعه ووضع رأسه وقال : قدمت فانقطع أبو علي لأنه لم يمكنه أن يقابله بما فعل لأنه كان لأبي علي علاقات وكان عبد اللّه مجردا لا شغل له ا ه . وهذا يدل على أن السالك لا يكون صادقا إلا بقطع الأسباب المشغلة عنه ، وما لم يتجرد لم يصدق في حاله . ثم قال القشيري : سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول : كان أبو العباس الدينوري يتكلم فصاحت عجوز في المجلس صيحة فقال أبو العباس : موتي ، فقامت وخطت خطوات ثم التفتت إليه وقالت : قد مت ووقعت ميتة . قلت : وكأنه يتكلم في مقام المحبة ، فلما غلب عليها الوجد وصاحت ظن أنها غير صادقة فدعت اللّه بأن لا يفضحها فأجيب لها وعلم من حالها أنها كانت مغلوبة وهذا من علامات الصدق . ثم قال : وقيل نظر عبد الواحد بن زيد إلى غلام من أصحابه وقد نحل بدنه فقال : يا غلام تديم الصوم ؟ فقال : لا ، ولا أديم الإفطار . فقال : تديم القيام بالليل ؟ فقال : لا ، ولا أديم النوم . فقال : فما الذي أنحلك ؟ فقال : هوى دائم وكتمان دائم عليه ، فقال عبد الواحد : اسكت ما أجراك . فقام الغلام وخطى خطوتين فقال : إلهي إن كنت صادقا فخذني فخر ميتا . قلت : وإنما أمره عبد الواحد بالسكوت لأنه ظن أنه يدعي مقام الحب ، وأنه كاذب في