تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
شرح
دعواه ، وكان الغلام صادقا فاستجاب دعاءه ، ومن هنا قال بعضهم : إذا لقيت فقيرا فالقه بالرفق ولا تلقه بالعلم فإنك إذا لقيته بالعلم ذاب كما يذوب الثلج . ثم قال : وحكي عن أبي عمران الزجاجي أنه قال : ماتت أمي فورثت دارا فبعتها بخمسين دينارا وخرجت إلى الحج ، فلم بلغت آبل استقبلني واحد من القناقنة وقال : أيش معك ؟ فقلت في نفسي : الصدق خير ، ثم قلت : خمسون دينارا . فقال : ناولنيها فناولته الصرة فعدها فإذا هي خمسون . فقال لي : خذها فلقد أخذني صدقك ، ثم نزل عن الدابة فقال : اركبها ، فقلت : لا أريد فقال : لا بد وألح علي فركبتها ، فقال : وأنا على أثرك ، فلما كان العام المستقبل لحق بي ولازمني حتى مات . قلت : آبل بالمد اسم موضع ، والقناقنة جمع قنقن هو الدليل الهادي والبصير بالماء في حفر القنى ، والذي وقع للرجل هو من بركات الصدق وآثاره في الدنيا قبل الأخرى . ثم قال : وقيل دخل إبراهيم بن دوحة مع إبراهيم بن شيبة البادية فقال إبراهيم بن شيبة : اطرح ما معك من العلائق . قال : فطرحت كل شيء إلا دينارا . فقال : يا إبراهيم لا تشغل سري اطرح ما معك من العلائق . قال : فطرحت الدينار . قال : يا إبراهيم اطرح ما معك من العلائق فذكرت أن معي شسوعا للنصل فطرحتها فما احتجت في الطريق إلى شسع إلا وجدته بين يدي ، فقال ابن شيبة : هكذا من عامل اللّه بالصدق . قلت : وطرحه للدينار ليس من باب إتلاف المال وإضاعته لغير سبب موجب ، بل هو من باب تأديب النفس وزجرها لتنقطع عنها العلائق وهذا غرض ديني لا يخفى . وقال ابن أبي الدنيا في الصمت : حدثنا عمر بن بكير النحوي ، أخبرنا عبد الرحمن الطائي ، أخبرنا أبو بردة بن عبد اللّه بن أبي بردة قال : كان يقال إن ربعي بن حراش لم يكذب كذبا قط فأقبل ابناه من خراسان قد تأجلا ، فجاء العريف إلى الحجاج فقال : أيها الأمير إن الناس يزعمون أن ربعي بن حراش لم يكذب كذبة قط وقد قدم ابناه من خراسان وهما عاصيان ، فقال الحجاج : علي به ، فلما جاء قال : أيها الشيخ ! قال : ما تشاء ؟ قال : ما فعل ابناك ؟ قال : المستعان اللّه خلفتهما في البيت . قال : لا جرم واللّه لا أسوءك فيهما هما لك . ويروى أن رجلا مر بلقمان والناس عنده فقال : ألست عبد بني فلان ؟ قال : بلى ، قال : الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا ؟ قال : بلى ، قال : ما الذي بلغ بك ما أرى ؟ قال : صدق الحديث وطول السكوت عما لا يعنيني . رواه ابن أبي الدنيا في الصمت من طريق عمرو بن قيس الملائي . ( خاتمة ) : من شرط الصديقية أن لا يعود لسانه اللعن . قال ابن أبي الدنيا : حدثنا بشار بن موسى ، أخبرنا يزيد بن المقدام بن شريح ، عن أبيه ، عن جده ، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم أبا بكر الصديق لعن بعض رقيقه ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم « يا أبا بكر الصديقون ولعانون » قال : فاعتق أبو بكر يومئذ بعض رقيقه وجاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : واللّه لا أعود . وبشار
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 161 | مرتضى الزبيدي