تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
شرح
القلب والجوارح على الإخلاص واستفراغ الوسع وبذل الطاقة ، فبذلك يكون العبد من الذين جاؤوا بالصدق ، وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون صديقية ، ولذلك كان لأبي بكر رضي اللّه عنه ذروة الصديقية حتى سمي الصديق على الإطلاق ، وهو أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق ، فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل ، وقد أمر سبحانه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أي يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق فقالوَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً[ الإسراء : 80 ] وأخبر عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه سأل أن يجعل له لسان صدق في الآخرين وبشر عباده أن لهم قدم صدق عند ربهم وقالإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ[ القمر : 54 ، 55 ] فهذه خمسة أشياء : مدخل الصدق ومخرج الصدق ولسان الصدق ومقعد الصدق وقدم الصدق . وحقيقة الصدق في هذه الأشياء هو الحق الثابت المتصل باللّه الموصل إلى اللّه وهو ما كان به ، وله من الأعمال والأقوال وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة ، فمدخل الصدق ومخرج الصدق أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا للّه تعالى وفي مرضاته متصلا بالظفر ببغيته وحصول المطلوب ضد مدخل الكذب ومخرجه الذي لا غاية له يوصل إليها ، ولا له ساق ثابتة يقوم عليها كمخرج أعدائه يوم بدر ، ومخرج الصدق كمخرجه صلّى اللّه عليه وسلم هو وأصحابه في ذلك الغزو ، وكذلك مدخل المدينة كان مدخل صدق باللّه وللّه وابتغاء مرضاة اللّه ، فاتصل به التأكيد والظفر والنصر ولإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب فإنه لم يكن باللّه ولا للّه بل محادا للّه ورسوله فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار ، وكذلك مدخل من دخل من اليهود والمحاربين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حصن بني قريظة فإنه لما كان مدخل كذب أصابهم منه ما أصابهم ، وكان مدخل ومخرج كان باللّه وللّه وصاحبه ضامن على اللّه فهو مدخل صدق ومخرج صدق ، ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه بخروجه صلّى اللّه عليه وسلم من مكة ودخوله المدينة ، ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل فإن هذا المدخل والمخرج من أجل مداخله ومخارجه صلّى اللّه عليه وسلم وإلا فمداخله ومخارجه كلها مداخل صدق ومخارج صدق إذ هي باللّه وللّه وبأمره ولابتغاء مرضاته ، وما خرج أحد من بيته أو دخل سوقا أو مدخلا آخر إلا بصدق أو كذب ، فمدخل كل أحد ومخرجه لا يعدو الصدق والكذب واللّه المستعان . وأما لسان الصدق : فهو الثناء الحسن من سائر الأمم بالصدق ، ولما كان اللسان هو محله عبر عنه به فإن اللسان يراد به ثلاث معان هذا واللغة والجارحة نفسها . وأما قدم الصدق : ففسر بالجنة ، وفسر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وفسر بالأعمال الصالحة ، وحقيقة القدم ما قدموه ويقدمون عليه يوم القيامة وهم قدموا الأعمال والإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ويقدمون على الجنة ، ومن فسر بالأعمال وبالنبي صلّى اللّه عليه وسلم فلأنهم قدموها وقدموا الإيمان به بين أيديهم . وأما مقعد صدق ؛ فهو الجنة عند ربهم ، ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم ثبوته واستقراره