عن الإيمان فقرأ هذه الآية . ولنضرب للخوف مثلا . فما من عبد يؤمن باللّه واليوم الآخر إلا وهو خائف من اللّه خوفا ينطلق عليه الاسم ، ولكنه خوف غير صادق أي غير بالغ درجة الحقيقة ، أما تراه إذا خاف سلطانا أو قاطع طريق في سفره كيف يصفر لونه وترتعد فرائصه ويتنغص عليه عيشه ويتعذر عليه أكله ونومه وينقسم عليه فكره ، حتى لا
شرح
فهذه درجات الصدق فمن تحقق في جميعها فهو صديق ومن لم يصب إلا بعضها فرتبته بقدر صدقه .
وقال صاحب منازل السائرين : الصدق اسم لحقيقة الشيء خصولا ووجودا ، والصدق هو حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه ، كما يقال : عزيمة صادقة إذا كانت قوية تامة ، وكذلك محبة صادقة وإرادة صادقة ، وكذلك صلاة صادقة إذا كانت قوية تامة ثابتة الحقيقة لم ينقص منها شيء ، ومن هذا أيضا صدق الخبر لأنه وجود المخبر بتمام حقيقته في ذهن السامع ، وهو على ثلاث درجات .
الأولى : صدق القصد للّه به يصح وبه يصح الدخول في هذا الشأن ويتلافي كل تفريط ويتدارك كل فائت ويعمر كل خراب ، وعلامة هذا الصادق أن لا يحتمل داعية تدعو إلى نقض عهد ولا يصبر على صحبة ضد ولا يقعد عن الجد بحال .
والدرجة الثانية : أن لا يتمنى الحياة إلا للحق ، ولا يشهد من نفسه إلا أثر النقصان ، ولا يلتفت إلى ترفيه المرخص أي لا يحب أن يعيش إلا في طلب رضا محبوبه ويقوم بعبوديته ويستكثر من الأسباب التي تقربه منه ، ولا يلتفت إلى الرفاهية التي في الرخص بل يأخذ بها اتباعا وموافقة وشهودا لنعمة اللّه على عبده وتعبدا باسمه اللطيف المحسن الرفيق وأنه رفيق يحب الرفيق .
الدرجة الثالثة : الصدق في معرفة الصدق . يعني أن الصدق المحقق إنما يحصل لمن صدق في معرفة الصدق أي لا يحصل حال للصادق إلا بعد معرفة الصدق ، ولا يستقيم الصدق في علم أهل الخصوص إلا على حرف واحد وهو أن يتفق رضا الحق بعمل العبد وحاله ووقته وإيقانه وقصده ، وذلك أن العبد إذا صدق اللّه رضي اللّه بفعله وبعمله وحاله ويقينه وقصده إلا أن رضا اللّه نفس الصدق ، وإنما يعلم الصدق بموافقة رضاه سبحانه ، ولكن من أين يعلم رضاه فمن ههنا كان الصادق مضطرا أشد ضرورة إلى متابعة الأمر والتسليم للرسول صلّى اللّه عليه وسلم في ظاهره وباطنه والتعبد به في كل حركة وسكون مع إخلاص القصد للّه سبحانه لا يرضيه من عبده إلا ذلك انتهى .
( ولنضرب للخوف مثلا فما من عبد يؤمن باللّه واليوم الآخر إلا وهو خائف من اللّه خوفا ينطلق عليه الاسم ولكنه خوف غير صادق أي غير بالغ درجة الحقيقة . أما تراه إذا خاف سلطانا أو قاطع طريق في سفره ) من إنسان أو سبع ( كيف يصفر لونه ) ويتغير حاله ( وترتعد فرائصه ويتنغص عليه عيشه ويتعذر عليه أكله ونومه وينقسم عليه فكره )