الصدق السادس : وهو أعلى الدرجات وأعزها ؛ الصدق في مقامات الدين ، كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والحب وسائر هذه الأمور ، فإن هذه الأمور لها مباد ينطلق الاسم بظهورها ، ثم لها غايات وحقائق والصادق المحقق من نال حقيقتها ، وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته سمي صاحبه صادقا فيه ، كما يقال : فلان صدق القتال . ويقال : هذا هو الخوف الصادق . وهذه هي الشهوة الصادقة .
وقال اللّه تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا
إلى قوله :
أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
[ الحجرات : 15 ] وقال تعالى :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
إلى قوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا
[ البقرة : 177 ] وسئل أبو ذر عن الإيمان فقرأ هذه الآية فقيل له : سألناك عن الإيمان ؟ فقال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم
شرح
( الصدق السادس : وهو أعلى الدرجات وأعزها وهو الصدق في مقامات الدين كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والحب والتوكل ، وسائر هذه الأمور فإن هذه الأمور لها مباد ينطلق الاسم بظهورها ، ثم لها غايات وحقائق ) وكل واحد على انحطاطه وارتفاعه يراد لغيره إذ الأحوال والمقامات لا نهاية لها ، ( والصادق المحقق من نال حقيقتها وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته سمي صاحبه صادقا فيه ) وهذا ( كما يقال : فلان صدق القتال ، ويقال هذا هو الخوف الصادق وهذه هي الشهوة الصادقة ) فالصدق في كل واحد أن يقوى إلى أن يؤدي إلى مقصوده ، ومن ذلك المقصود إلى مقصود أعلى منه فصاعدا ، كما تصدق المعرفة حتى تؤدي إلى المحبة وتصدق المحبة حتى تؤدي إلى الرضا والأنس والطمأنينة والشوق ، وذلك ما لا يتناهى وهذا التحقيق في تمييز المقامات وتخليص بعضها من بعض ، فإذا حققت أحوالك وخلصتها من الأغيار والشوائب اتقيت من تحقيقك إلى تحقيقك وكنت بلا أنت ، والتفريد وقوفك مع اللّه بلا علم ولا حال لشغلك انفراده بما هو عليه من الكمال والجلال وشمول القدرة والسلطان ، فالصادق في جملة ذلك هو الصادق مطلقا ، والكاذب في جملته هو الكاذب مطلقا المخلد في النار أبدا ، والصادق في البعض دون البعض على خطر وهو في مشيئة اللّه تعالى ، ( و ) لذلك ( قال اللّه تعالىإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُواإلى قولهأُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَوقال تعالىوَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَإلى قوله( أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَوهو صريح في أن الصدق بالأعمال الظاهرة والباطنة وأن الصدق هو مقام الإسلام والإيمان .
( وسئل أبو ذر ) رضي اللّه عنه ( عن الإيمان ؟ فقرأ هذه الآية ، فقيل له : سألناك عن الإيمان ؟ فقال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن الإيمان ) كما سألتموني عنه ( فقرأ هذه الآية ) .
قال العراقي : رواه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة بأسانيد منقطعة ا ه .