تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
فجعل العزم عهدا وجعل الخلف فيه كذبا والوفاء به صدقا . وهذا الصدق أشد من الصدق الثالث ، فإن النفس قد تسخو بالعزم ثم تكيع عند الوفاء لشدته عليها ولهيجان الشهوة عند التمكن وحصول الأسباب . ولذلك استثنى عمر رضي اللّه عنه فقال : لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر . اللهم إلا أن تسوّل لي نفسي عند القتل شيئا لا أجده الآن لأني لا آمن أن يثقل عليها ذلك فتتغير عن
شرح
رفاعة عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال : يا رسول اللّه ادع أن يرزقني مالا ، فذكر الحديث بطوله في دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم له وكثرة ماله ، ومنعه الصدقة ونزول قوله تعالىوَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَالآية . وفيه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم مات ولم يقبض منه الصدقة ولا أبو بكر ولا عمر ، ومات في خلافة عثمان كما مر بطوله في كتاب ذم الدنيا رواه البيهقي في الشعب من هذا الطريق كذلك ، وقال في آخره : وإنما لم يأخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلم زكاة ماله ولا من بعده لأنه كان قد نافق ، والكتاب الذي نزل في شأنه ناطق بذلك حيث قالفَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْإلى يوميَلْقَوْنَهُالآية . وعلموا بهذه بقاءه على نفاقه حتى يموت ، وأن إتيانه بصدقة ماله مخافة أن تؤخذ منه قهرا . قال : وفي إسناد هذا الحديث نظر وهو مشهور فيما بين أهل التفسير ا ه . والمسمى بهذا الاسم رجلان أحدهما ثعلبة بن حاطب بن عمير بن عبيد الأوسي الأنصاري ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق في البدريين ، وكذا ذكره ابن الكلبي وزاد أنه قتل بأحد ، والثاني ثعلبة بن حاطب أو ابن أبي حاطب الأنصاري ذكره ابن إسحاق فيمن بنى مسجد الضرار . قال الحافظ في الإصابة : وفي كون صاحب القصة « إن صح الخبر ولا أظنه يصح هو البدري المذكور نظر ، وقد تأكدت المغايرة بينهما بقول ابن الكلبي أن البدري استشهد بأحد . قال : ويقوي ذلك أن رجلا يقال له ثعلبة بن أبي حاطب من الأنصار أتى مجلسا فاشهدهم فقال « لئن آتاني اللّه مالا » الآية . فذكر القصة بطولها ، فقال : إنه ثعلبة بن أبي حاطب ، والبدري اتفقوا على أنه ثعلبة ابن حاطب ، وقد ثبت أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال « لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية » وحكى عن ربه أنه قال لأهل بدر :اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ[ فصلت : 40 ] فقد غفرت لكم فمن يكون بهذه المثابة كيف يعقبه اللّه نفاقا في قلبه وينزل فيه ما نزل ، فالظاهر أنه غيره واللّه أعلم . ( فجعل العزم عهدا ) إذ كانوا عزموا في أنفسهم ولم يتكلموه فقالوَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ( وجعل الخلف فيه كذبا ) بقولهوَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ( والوفاء به صدقا ، وهذا الصدق أشد من الصدق الثالث ) وأرفع منه مقاما ، ( فإن النفس قد تسخو بالعزم ثم تكسع ) أي تتوانى عند الوفاء لشدته عليها ولهيجان الشهوات عند التمكن وحصول الأسباب ، ( ولذلك استثنى عمر رضي اللّه عنه فقال : لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم ) أي أصير أميرا عليهم ( فيهم أبو بكر ) رضي اللّه عنه . ( اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند القتل شيئا لا أجده الآن ) أي تزين ( لأني لا آمن أن يثقل عليها ذلك فتتغير عن