يظهر من نفسه أنه يعتقد ما يقول فكذب في دلالته بقرينة الحال على ما في قلبه ، فإنه كذب في ذلك ولم يكذب فيما يلفظ به ، فيرجع أحد معاني الصدق إلى خلوص النية وهو الإخلاص فكل صادق فلا بدّ وأن يكون مخلصا .
الصدق الثالث : صدق العزم ؛ فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل فيقول في نفسه إن رزقني اللّه مالا تصدقت بجميعه أو بشطره أو إن لقيت عدوّا في سبيل اللّه تعالى قاتلت ، ولم أبال وإن قتلت ، وإن أعطاني اللّه تعالى ولاية عدلت فيها ، ولم أعص اللّه تعالى بظلم وميل إلى خلق . فهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه وهي عزيمة جازمة صادقة ، وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة ، فكان الصدق ههنا عبارة عن التمام والقوّة كما يقال : لفلان شهوة صادقة . ويقال : هذا المريض شهوته
شرح
بقرينة الحال إذ صاحبه يظهر من نفسه أنه يعتقد ما يقول فكذب في دلالته بقرينة الحال على ما في قلبه فإنه كذب في ذلك ولم يكذب فيما يلفظ به ، فيرجع أحد معاني الصدق إلى خلوص النية وهو الإخلاص فكل صادق فلا بد وأن يكون مخلصا ) وليس كل مخلص صادقا .
وقال الراغب في الذريعة : حد الصدق هو مطابقة القول والضمير والمخبر عنه ، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صادقا تاما بل إما أن لا يوصف بالصدق والكذب أو يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب على نظرين مختلفين ، كقول الكافر : إذا قال من غير اعتقاد محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فإن هذا يصح أن يقال فيه كذب لمخالفة قوله ضميره ، ولهذا كذبهم اللّه تعالى حين قال :إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ[ المنافقون : 1 ] وكذلك إذا قال : من لم يعلم كون زيد في الدار أنه في الدار يصح أن يقال صدق وأن يقال كذب باعتبار نظرين مختلفين ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم « من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ » . وفي خبر « فقد كذب على اللّه » والمتوسم لا قصد له ، فإذا قال زيد في الدار لا يقال إنه صدق ولا أنه كذب .
( الصدق الثالث : صدق العزم ) أي الصدق في العزم على الخير ، ( فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل فيقول في نفسه : إن رزقني اللّه مالا تصدقت بجميعه ) على الفقراء والمساكين ( أو بشطره ) ، أو إن رزقني اللّه علما لأعلمن الناس ولأعملن به ، ( أو إن لقيت عدوا في سبيل اللّه قاتلت ولم أبال وإن قتلت ، وإن أعطاني اللّه تعالى ولاية عدلت فيهم ولم أعص اللّه تعالى بظلم ولا ميل إلى خلق ، فهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه وهي عزيمة جازمة صادقة ) والصدق فيها أن لا يكون في العزم تردد ، ( وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد وضعف يضاد في العزيمة ) ويناقضه . قال اللّه تعالىفَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ[ التوبة :
45 ] ( فكان الصدق ههنا عبارة عن التمام والقوة كما يقال لفلان : شهوة صادقة ، ويقال