تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
مطلب سوى اللّه لم يكن كلامه صدقا ، ولو طولب يوم القيامة بالصدق في قوله : أنا عبد اللّه ، لعجز عن تحقيقه فإنه إن كان عبدا لنفسه أو عبدا لدنيا أو عبدا لشهواته لم يكن صادقا في قوله . وكل ما تقيد العبد به فهو عبد له كما قال عيسى عليه السلام : يا عبيد الدنيا ! وقال نبينا صلّى اللّه عليه وسلم : « تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم وعبد الحلة وعبد الخميصة » سمي كل من تقيد قلبه بشيء عبدا له . وإنما العبد الحق للّه عز وجل ، من أعتق أوّلا من غير اللّه تعالى فصار حرّا مطلقا ، فإذا تقدّمت هذه الحرّية صار القلب فارغا فحلت فيه العبودية للّه فتشغله باللّه وبمحبته وتقيد باطنه وظاهره بطاعته فلا يكون له مراد إلا اللّه تعالى ، ثم قد تجاوز هذا إلى مقام آخر أسنى منه يسمى الحريّة وهو أن
شرح
القصد إليه في سلوك طريقه ، ( وكان له مطلب سوى اللّه لم يكن كلامه صدقا ) في نفسه ، ( ولو طولب يوم القيامة بالصدق في قوله : أنا عبد اللّه لعجز عن تحقيقه فإنه إن كان عبدا لنفسه ) بأن يكون متهالكا في تحصيل شهواتها ، ( أو عبد الدنيا ) بأن يكون معتكفا على خدمتها ومراعاتها ، ( أو عبدا لشهواته ) بأن يكون متراميا في تحصيلها لنفسه ( لم يكن صادقا في قوله ) ، وعليه يصح أن يقال : ليس كل إنسان عبد اللّه تعالى وعبد اللّه عندهم الذي تجلى له الحق بجميع أسمائه ، فلا يكون في عباده أرفع مقاما ولا أعلى شأنا منه لتحققه باسمه الأعظم واتصافه بجميع صفاته ، ولهذا خص نبينا صلّى اللّه عليه وسلم بهذا الاسم في قوله :وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ[ الجن : 19 ] فلم يكن هذا الاسم بالحقيقة إلا له والأقطاب من ورثته بتبعيته ، وإن أطلق على غيره مجازا للاتصاف كل اسم من أسمائه بجميعها بحكم الواحدية وأحدية جميع الأسماء ، ( وكل ما تعبد العبد به فهو عبد له ) منسوب إليه ( كما قال عيسى عليه السلام ) في بعض محاوراته : ( يا عبيد الدنيا ) ! سماهم كذلك لاعتكافهم على خدمتها ومراعاتها . ( وقال نبينا صلّى اللّه عليه وسلم « تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم وعبد الحلة وعبد الخميصة » ) رواه البخاري وابن ماجة والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة بزيادة « إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش » الحديث . قال البخاري : حدثنا عمرو بن مرزوق ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه بن دينار ، عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه « تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة » الحديث . ورواه البيهقي من طريق يوسف بن يعقوب عن عمرو بن مرزوق . ورواه العسكري في الأمثال بلفظ « لعن » بدل « تعس » وذكر المصنف هناك « تعس عبد الزوجة » وهذا لا أصل له . ( سمي كل من تعبد قلبه بشيء عبدا له ) باعتبار ذله له وانصرافه إليه ، ( وإنما العبد الحق للّه عز وجل من أعتق أولا عن غير اللّه تعالى فصار حرا مطلقا ) من الوثاق ، ( فإذا تقدمت هذه الحرية صار القلب فارغا فحلت فيه العبودية للّه ) وإليه أشار القائل :أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكنا( فتشغله باللّه وبمحبته وتقيد باطنه وظاهره بطاعته فلا يكون له مراد إلا اللّه تعالى ، ثم