تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
يعتق أيضا عن إرادته للّه من حيث هو بل يقنع بما يريد اللّه له من تقريب أو إبعاد فتفنى إرادته في إرادة اللّه تعالى . وهذا عبد عتق عن غير اللّه فصار حرّا ، ثم عاد وعتق عن نفسه فصار حرّا ، وصار مفقودا لنفسه موجودا لسيده ومولاه إن حركه تحرّك وإن سكّنه سكن وإن ابتلاه رضي ، لم يبق فيه متسع لطلب والتماس واعتراض ، بل هو بين يدي اللّه كالميت بين يدي الغاسل وهذا منتهى الصدق في العبودية للّه تعالى ، فالعبد الحق هو الذي وجوده لمولاه لا لنفسه وهذه درجة الصدّيقين . وأما الحرية عن غير اللّه فدرجات الصادقين ، وبعدها تتحقق العبودية للّه تعالى ، وما قبل هذا فلا يستحق صاحبه أن يسمى صادقا ولا صديقا ؛ فهذا هو معنى الصدق في القول .
شرح
قد تجاوز هذا إلى مقام آخر أسنى منه يسمى الحرية ) وهي عندهم عبارة عن الانطلاق عن رق الأغيار ، وهي على مراتب : حرية العامة عن رق الشهوات ، وحرية الخاصة عن رق المرادات لفناء إرادتهم عن إرادة الحق ، وحرية خاصة الخاصة عن رق المرسوم والآثار لانمحاقهم في تجلي نور الأنوار ، وقد أشار إليه المصنف بقوله : ( وهو أن يعتق أيضا عن إرادته للّه من حيث هو هو ، بل يقنع بما يريد اللّه له من تقريب وأبعاد فتفنى إرادته في إرادة اللّه تعالى ) وهي حرية الخاصة ؛ ( فهذا عبد عتق عن غير اللّه ) أي انطلق عن رق الغير ( فصار حرا ) وهي حرية العامة ، ( ثم عاد وعتق عن نفسه فصار حرا ) وهي حرية الخاصة ، ثم عاد وعتق عن رسومه وآثاره فصار حرا ( وصار مفقودا لنفسه موجودا لسيده ومولاه ) وانمحقت رسومه في تجلي نور الأنوار وهي حرية خاصة الخاصة ، فهو ( إن حركه ) مولاه ( تحرك وإن سكنه سكن وإن ابتلاه رضي لم يبق فيه متسع لطلب والتماس واعراض ) . قيل للشبلي : ألا تعلم أنه رحمن ؟ فقال : بلى ولكن منذ عرفت رحمته ما سألته أن يرحمني ، ( بل هو بين يدي اللّه كالميت بين يدي الغاسل ) يصرفه كيف يشاء ، ( وهذا منتهى الصدق في العبودية ) . قال القشيري في الرسالة : اعلم أن حقيقة الحرية في كمال العبودية فإذا صدقت للّه عبوديته خلصت عن رق الأغيار حريته ، فاما من توهم أن العبد يسلم له أن يخلع وقتا عذار العبودية ويحيد بلحظة عن حد الأمر والنهي وهو مميز في دار التكليف ، فذلك انسلاخ من الدين ، والذي أشار إليه القوم من الحرية هو أن لا يكون العبد بقلبه تحت رق شيء من المخلوقات لا من أعراض الدنيا ولا من أعراض الآخرة فيكون فرد الفرد لم يسترقه عاجل دنيا ولا حاصل هوى ولا آجل مني ولا سؤال ولا قصد ولا أرب ولاحظ ومقام الحرية عزيز . ( فالعبد الحق هو الذي وجوده لمولاه لا لنفسه ، وهذه درجة الصديقين . وأما الحرية عن غير اللّه فدرجات الصادقين وبعدها تتحقق العبودية للّه تعالى ، وما قبل هذا فلا يستحق صاحبه أن يسمى صادقا ولا صديقا ) . قال الحسين بن منصور فيما نقله القشيري : إذا استوفى العبد مقامات العبودية كلها يصير حرا من تعب العبودية فيترسم بالعبودية بلا عناء ولا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 140 | مرتضى الزبيدي