والكمال الثاني : أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه كقوله :
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ الأنعام : 79 ] فإنّ قلبه إن كان منصرفا عن اللّه تعالى مشغولا بأماني الدنيا وشهواته فهو كذب . وكقوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
[ الفاتحة : 5 ] وكقوله : أنا عبد اللّه ، فإنه إذا لم يتصف بحقيقة العبودية وكان له
شرح
دنيوي ، فالمنفعة الدنيوية ولو كانت تلك بحذافيرها لا توفى على ضرر أذى كذب ، فإنما هذا الذي قلناه يتصور في نفع أخروي يكون الإنسان فيه عاجلا وآجلا معذورا كمن سألك عن مسلم استتر في دارك وهو يريد قتله فيقول : هل فلان في دارك ؟ فتقول : لا ، فهذا يجوز فإن نفع هذا الكذب موف على ضرره وهو فيه معذور ولا خلاف أن المعاريض حيث يضطر إليها تجوز ولذلك قيل : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ، ولم تزل الأنبياء والأولياء يفزعون إليها كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم لمن سأله : من أين أنت ؟ فقال : « من الماء » . وقول إبراهيم عليه السلام :إِنِّي سَقِيمٌ[ الصافات : 89 ] وقوله : هذه أختي وقولهبَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا[ الأنبياء : 63 ]
وأما الصدق فإنه يحسن حيث يتعلق به ولا يلحق ضرر بأحد فمعلوم قبح من يقعد ويقول :
السماء فوقي والأرض تحتي من غير أن يريد أن يجعل ذلك مقدمة دليل أو إفادة معنى يعلقه به ، وكذا تقبح النميمة والغيبة والسعاية وإن كانت صدقا ، ولذلك قيل : كفى بالسعاية ذما أنه يقبح فيه الصدق ، وأقبح الكذب مع قبحه كله أو جله ما لا يتعلق به رجاء نفع عاجل أو آجل ويجلب إلى المقول له ضررا كرجل يأتيك من بلد بعيد فيقول : بأن ملك ذلك البلد يرغب فيك ويتشوق إليك ويسألك أن تأتيه ليفيدك مالا وجاها ، وإذا وردت لم تجد ذلك صدقا بل وجدت ذلك الملك حنقا عليك ا ه .
( والكمال الثاني : أن يراعي معنى الصدق في ) مدلولات ( ألفاظه التي يناجي بها ربه كقولهوَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ( فإن قلبه إن كان منصرفا عن اللّه تعالى مشغولا بأماني الدنيا وشهواته فهو كاذب ) في قوله ، فإن الوجه هنا عبارة عن وجه القلب لا وجه البدن ( وكقوله :إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فإن كان رقيقا لبعض الشهوات كان كاذبا في دعوى العبودية ، وإن كان معتمدا على سبب من الأسباب كان كاذبا في دعوى الاستعانة ، وكذلك في قوله : اللّه أكبر والحمد للّه . وشبه هذا كثير ، فلو قرأ وعظم عبدا من عباد اللّه على غير امتثال أمر اللّه ، أو رأى النعمة من غيره كان كاذبا في تكبيره وحمولته وكذلك في قوله : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم وهو ملابس الأسباب التي هي قوة الشيطان وسبب لوسوسته ، فإن الاستعاذة لا تعيذه ما لم ينتقل عن ملابسة تلك الأسباب . قال اللّه تعالى :إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ[ الأعراف : 201 ] الآية .
فإن هذه الألفاظ تراد في الشرع لمدلولاتها لا لنفسها . ( وكقوله : أنا عبد اللّه فإنه إذا لم يتصف بحقيقة العبودية ) التي هي غاية الذل للّه تعالى وهي للخاصة الذين صححوا النسبة إلى اللّه تعالى بصدق