صادقا وصدّيقا كيفما كان لفظه ، ثم التعريض فيه أولى . وطريقه ما حكي عن بعضهم ، أنه كان يطلبه بعض الظلمة وهو في داره فقال لزوجته : خطي بإصبعك دائرة وضعي الإصبع على الدائرة وقولي ليس هو ههنا ، واحترز بذلك عن الكذب ودفع الظالم عن نفسه ، فكان قوله صدقا وأفهم الظالم انه ليس في الدار . فالكمال الأولى في اللفظ أن يحترز عن صريح اللفظ وعن المعاريض أيضا إلا عند الضرورة .
شرح
فيه أولى ) من التصريح . ( وطريقه ما حكي عن بعضهم أنه كان يطلبه بعض الظلمة وهو في داره ) وأراد التخلص منه ( فقال لزوجته : خطي بإصبعك دائرة وضعي الأصبع على الدائرة وقولي ليس هو ههنا ) كما تقدم في آفات اللسان ، ( فاحترز بذلك عن الكذب ودفع الظالم عن نفسه فكان قوله صدقا وأفهم أنه ليس في الدار ) فهذا من جملة المعاريض التي يتخلص بها الكذب ، ( فالكمال الأول في اللفظ أن يحترز عن صريح اللفظ وعن المعاريض أيضا إلا عند الضرورة ) وقد روى القشيري عن ابن سيرين : الكلام أوسع من أن يكذب ظريف ، ويلحق به كل كلام خرج على وجه المثل للاعتبار دون الأخبار فليس بكذب على الحقيقة ، ولهذا لا يتحاشى المتجوزون من التحدث به كقولهم في الحت على مداراة العدو والتلطف في خدمة الملوك أن سبعا وذئبا وثعلبا اجتمعوا فقال السبع للذئب : اقسم ، فقال : هو مقسوم العنز لك والظبي لي والأرنب للثعلب . فوثب السبع فأدماه ثم قال للثعلب : اقسم ، فقال : هو مقسوم العنز لغدائك والظبي لقائلتك والأرنب لعشائك ، فقال السبع : من علمك هذه القسمة المليحة ؟ فقال : علمني السراويل الأرجواني الذي على الذئب وعلى المثل حمل قوله :إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً[ ص : 23 ] الآية . وقولهكَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ[ البقرة : 261 ] الآية . فقال : يصح هذا لما كان مثلا وإن لم يجردمغا للعادة في وجود حبة : هكذا قال الراغب في الذريعة ذهب كثير من المتكلمين أن الصدق يحسن لعينه والكذب يقبح لعينه . وقال كثير من الحكماء والمتصوفة : إن الكذب يقبح لما يتعلق به من المضار الحاصلة ، والصدق يحسن لما يتعلق به من المنافع الحاصلة ؛ وذلك أن الأقوال من جملة الأفعال وشيء من الأفعال لا يحسن ولا يقبح لذاته ، بل إنما يحسن لما يتعلق بهم من النفع ويقبّح ما يقبح لما يتعلق به من الضرر الموفى على ما فيه من النفع . ألا ترى أن أعظم ما يجري في العالم القتل والغصب ، وقد يقع كل واحد منهما على وجه يحسن وعلى وجه يقبح ، فكذا المقال من الصدق والكذب ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « لا يصلح الكذب إلا في ثلاث » الحديث . وقد روي « إذا أتاكم مني حديث يدل على هدى أو يرد عن ردى فاقبلوه قلته أو لم أقله ، وإن أتاكم مني حديث يدل على ردى أو يرد عن هدى فلا تقبلوه فإني لا أقول إلا حقا . قالوا : والكذب يكون قبيحا بثلاث شرائط : أن يكون الخبر بخلاف المخبر عنه ، وأن يكون المخبر قد اختلقه قبل الاخبار ، وأن يقصد إيراد ما في نفسه لا لاندفاع ضرر أعظم من ضرر ذلك الكذب مع شرط أن لا يمكن الوصول إلى ذلك النفع بغيره ، ومع أنه إذا ظهر كان للكاذب عذر واضح عاجلا وآجلا . قالوا : ولا يلزم على هذا أن يقال جوزوا الكذب فيما يرجى منه نفع