وذلك لأنها تقوم مقام الكذب ، إذ المحذور من الكذب تفهيم الشيء على خلاف ما هو عليه في نفسه . إلا أن ذلك مما تمس إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة في بعض الأحوال وفي تأديب الصبيان والنسوان ومن يجري مجراهم وفي الحذر عن الظلمة وفي قتال الأعداء والاحتراز عن إطلاعهم على أسرار الملك ، فمن اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه فيه للّه فيما يأمره الحق به ويقتضيه الدين ، فإذا نطق به فهو صادق وإن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه ، لأنّ الصدق ما أريد لذاته بل للدلالة على الحق والدعاء إليه فلا ينظر إلى صورته بل إلى معناه ، نعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى
شرح
( فقد قيل في المعاريض مندوحة عن الكذب ) روي ذلك عن عمران بن الحصين رضي اللّه عنهما مرفوعا وموقوفا ، والموقوف أصح رواه البخاري في الأدب المفرد من طريق قتادة عن مطرف بن عبد اللّه قال : صحبت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة فما أتى عليه يوم إلا أنشد فيه شعرا ، وقال : في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب . ورواه ابن جرير الطبري في التهذيب والبيهقي في الشعب والطبراني في الكبير رجاله ثقات . ورواه ابن السنى من طريق شعبة عن قتادة به مرفوعا ، وكذا قال البيهقي رواه الزبرقان عن سعيد بن أبي سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، لكن عن زرارة بن أوفى عن عمران مرفوعا قال : والموقوف هو الصحيح . ورواه أبو بكر ابن كامل في فوائده ، وأبو نعيم والديلمي من طريقه من حديث علي رضي اللّه عنه أن ما في المعاريض ما يكفي الرجل العاقل عن الكذب ، ويروى نحو ذلك من قول عمر رضي اللّه عنه : أما أن في المعاريض ما يكفي المسلم عن الكذب رواه البخاري في الأدب المفرد ، والبيهقي في الشعب وهو عند العسكري في الأمثال بلفظ : « إن في المعاريض لمندوحة للرجل المسلم الحري عن الكذب » وأشار إلى حكمة الرفع وقال : في المعاريض ما حوت بعض الكذب والمندوحة السعة ، ( وذلك لأنها ) أي المعاريض ( تقوم مقام الكذب إذ المحذور من الكذب تفهيم الشيء على خلاف ما هو في نفسه ) . ولفظ المصنف في الجواهر والدرر ، فإنه وإن كان صادقا في نفسه فيفهم خلاف الحق ، والمحذور من الكذب تفهيم خلاف الحق وأنه يكسب القلب صورة معوجة كاذبة ، وإذا مال القلب في الصحة إلى الاعوجاج لم يتحصل الحق له على الصحة حتى لا تصدق رؤياه أيضا ، والمعاريض لا توقع في هذا المحذور لأنه صدق في نفسه ولكن توقع في المحذور الثاني وهو تجهيل الغير فلا ينبغي أن يفعل ذلك ، ( إلا أن ذلك مما تمس الحاجة إليه وتقتضيه المصلحة في بعض الأحوال وفي تأديب الصبيان والنسوان ومن يجري مجراهم ، والحذر من الظلمة وفي قتال الأعداء والاحتراز عن إطلاعهم على أسرار الملك ) ففي كل ذلك مصالح قد يضطر إليه الإنسان ، ( فمن اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه فيه للّه فيما يأمره الحق به ويقتضيه الدين ، فإذا نطق به فهو وإن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه ، لأن الصدق ما أريد لذاته بل للدلالة على الحق والدعاء إليه فلا ينظر إلى صورته بل إلى معناه . نعم في