تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
شرح
فتكون كحمار الرحى يسير ، والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه ، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون وإن إلى ربك المنتهى ، وانظر إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه » فافهم قوله صلّى اللّه عليه وسلم إلى ما هاجر إليه ، وقل ما هذا الأمر إن كنت ذا فهم تفهم والسلام . قال شارحه ابن عباد : العمل على طلب الدرجات ونيل الرتب العلية والمقامات نقصان في الحال وشوب في إخلاص الأعمال ، وهو معنى الرحيل من كون إلى كون ، وسبب ذلك بقاء اعتبار النفس في أن تحصل لها رتبة وأن تنال بسعيها موهبة وهذه كلها من الأكوان والأكوان كلها متساوية في كونها أغبارا وإن كان بعضها أنوارا وتمثيله بحمار الرمي مبالغة في تقبيح حال العالمين في رؤية الأغبار وتلطفه في دعائها إلى حسن الأدب بين يدي الواحد القهار حتى يتحققوا بمعنى قوله تعالىوَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهىفيكون انتهاء سيرهم إليه وعكوف قلوبهم عليه وتكون أعمالهم إذا ذاك وفاء بمقتضى العبودية وقياما بحقوق الربوبية فقط من غير التفات إلى النفس على أي حالة تكون ، فهذا هو تحقيق الإخلاص الكائن على مشاهدة التوحيد الخاص . قال : وفي هذا الحديث النبوي تنبيه على المعنى الذي ذكره موضع الاعتبار والتأويل واللّه أعلم . قوله في القسم الثاني من الحديث فهجرته إلى ما هاجر إليه أي ولا نصيب له من الوصول والقرب الذي حظى به من هاجر إلى اللّه تعالى ورسوله ، وهذا من باب حصر المبتدأ في الخبر كما تقول : زيد صديقي أي لا صديق له غيري وكأنه صلّى اللّه عليه وسلم نبه بالقسم الثاني بالدنيا التي يريد أن يصيبها ، والمرأة التي يريد أن يتزوجها على حظوظ النفس والوقوف معها والعمل عليها كائنة ما كانت وإن كان ظاهره طلب الحظ العاجل فقوله فهجرته إلى ما هاجر إليه ، وهو البقاء مع الأكوان والتنقل فيها ، وهو الذي نهى عنه وهو مشار به غير مصرح فليكن المريد عالي الهمة والنيات حتى لا يكون التفاته إلى غيره المكون البتة ، واللّه أعلم .