تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
شرح
قال القشيري في الرسالة ، قال سهل : لا يعرف الرياء إلا مخلص . وقال حذيفة المرعشي : الإخلاص أن تستوي أفعال العبيد في الظاهر والباطن . وقال السري : من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين اللّه . وقال بعضهم : دخلت على سهل بن عبد اللّه يوم جمعة قبل الصلاة فرأيت في البيت حية فجعلت أقدم رجلا وأؤخر أخرى ، فقال : أدخل لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان وعلى وجه الأرض شيء يخافه ثم قال : هل لك في صلاة الجمعة ؟ فقلت : بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة ، فأخذ بيدي فما كان إلا قليل حتى رأيت المسجد فدخلنا وصلينا الجمعة ثم خرجنا ، فوقف ينظر إلى الناس وهم يخرجون فقال : أهل لا إله إلا اللّه كثير والمخلصون منهم قليل . وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان يقول : إذا أخلص العبد انقطع عنه كثرة الوسواس والرياء ا ه . وقال صاحب القوت : سميت سورة قل هو اللّه أحد سورة الإخلاص لإنها خالصة في ذكر صفات اللّه تعالى وحده لا يختلط بذكر جنة ولا نار ولا وعد ولا وعيد ولا أمر ولا نهي ، ولذلك قيل : سورة التوحيد إذ لا شريك فيما سواه . قال : ومن ألهمه اللّه إخلاص النية زاده معرفة الإخلاص أخرجه ذلك إلى الهرب من الناس ليخلص له معاملته لأنه ينظر بعين اليقين ، وإذ ليس ينفعه شيء إلا شيء بينه وبين اللّه عز وجل لا شريك له فيه لسواه ، وهذا المعنى هو الذي أخرج طائفة من الأبدال إلى الكهوف تخليا من أبناء الدنيا لخلاص أعمالهم من النظر إليهم ، فهم وإن فارقوا فضائل الأعمال من صلاة الجماعة وغيرها ، فقد تقرر عندهم أن اجتناب معصية واحدة عندهم أفضل من ذلك ، والجاهل باللّه تعالى يعمل من طلب الفضائل ولا يبالي بيسير الذنوب وفيها بعد عن اللّه عز وجل ، وليس ذلك طريق المقربين . وقال بعضهم : إنما أبعد القلب من اللّه تعالى مظاهرة أعمال الجوارح بغير مواطأة من القلب بصحة القصد يعني بذلك نقص الإخلاص بها لأجل اللّه تعالى . قال : وأصح الأعمال وأخلصها ما كان اللّه تعالى هو الأول في أولها ، ومع العامل في أوسطها للعبد عنده فيها واللّه هو الآخر عند آخرها ، ثم لا يظهرها بعد ذلك ولا يتظاهر بها ولا يطالع عوضا عنها من الكبير الأكبر بل ينساها ويشتغل بذكر مولاه عنها . قال : ومن المناقص المشبهة للفضائل الملتبسة على الأفاضل الشهرة بضلها وروغة العموم للدخول فيها والصبر عليها وهي منكشفة للعلماء باللّه عز وجل ما روي أن رجلين تواخيا في اللّه عز وجل بعد رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ، فترهب أحدهما واسمه سرجس ولزم أخوه الآخر الجماعة والمساجد ومخالطة الناس ، وكان أعلم منه باللّه عز وجل ، وكان يلتقي أخاه سرجس فيقول : يا أخي إن هذا الأمر الذي دخلت فيه بدعة وأن عليك فيه رعاية لا تقوم بحقها وأنه ليس للّه فيها رضا ، فلو دخلت معي في الجماعة والإلفة كان ذلك للّه عز وجل رضا وأصبت السنة ، وكان المترهب يعرض عنه ولا يعبأ برأيه ويقول له : إنك قد ركنت إلى الدنيا وأنست بالخلق ، فما أعياه قال له : فاجعل فطرك عندي الليلة حتى يتبين لك ففعل فقدم إليه فرخين شواهما وقال له : تعال حتى نجعل هذين الفرخين قاضيين بيننا فأينا كان على الحق ظهر أمره . قال : وكيف يقضيان بيننا ، قال : حتى يدعو اللّه كل واحد منا ، فمن كانت سيرته وهديه أحب إلى اللّه تعالى يبعث بدعائه هذين الفرخين حتى يطيرا