شرح
حيين . قال : نعم فادع فدعا الراهب ، فقال : اللهم إن كان هذا الأمر الذي دخلت فيه أريد به رضاك أقرب إلى الحق مما يدعوني إليه أخي هذا فابعث هذين الفرخين لي قال : فلم يجب ، فقال الآخر : اللهم إن كان هذا الأمر الذي تمسكت به وخالفت فيه هذا وأصحابه أقرب إلى الحق وأرضاه عندك مما يدعوني إليه أخي من الاعتزال والفرقة للجماعة فابعث لي هذين الفرخين . قال :
فصارا حيين وطارا بإذن اللّه تعالى فعلم الآخر أن ذلك ليس فيه للّه رضا فرجع إلى الجماعة والمساجد .
قال : ومن التباس الفضائل العالية ترك العبد حاله في مقامه طلبا للفضيلة ليزداد بها قربة إلى اللّه فيتغلب عليه ويهلك ما أدخل على برصيصا العابد في تعليم الاسم الأعظم وقصته مشهورة ، فالعالم عند العلماء في علم خير من الخيرين فسبق إليه قبل فوته وعلم شر الخيرين فأعرض عنه لئلا يشغله عن الأخير منهما ، وعلم أيضا خير الشرين ففعله إذا اضطر إليه وابتلي به وعلم شر الشرين فأمعن في الهرب منه ، وهذا من دقائق العلوم . وقال منصور : المداراة على العمل حتى يخلص أشد من العمل . وقال عبد العزيز بن أبي رواد : أدركتهم في العمل الصالح ، فإذا بلغوه وقع عليهم الهم أيتقبل منهم أم لا ؟ وقال مالك بن دينار : الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل .
وقال البناجي : للعمل أربع خصال لا يتم إلا بهن معرفة اللّه عز وجل ومعرفة الحق والإخلاص به والعمل على السنة فأي عمل كان قبل هذه الأربع لم ينفع . وقال عبد الرحمن بن سريج : من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا اللّه عز وجل ، ثم عرض له من يريد أن يرائيه بذلك أعطاه اللّه عز وجل بالأصل ووضع عنه الفرع ، ومن قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا المراءاة ثم ذكر وبدا له فجعل آخر ذلك للّه عز وجل أعطاه اللّه الفرع ووضع عنه الأصل كأنه حسب له ذلك توبة والتوبة مكفرة لما سلف . قال : وقد تلتبس الفضائل بالمناقص لدقة معانيها وخفي علومها كصلاة العبد النفل وهو يحسب أنه الأوجب ، ومن ذلك أن رجلا كان يصلي فدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلم يجبه فظن أن وقوفه بين يدي اللّه تعالى بالغيب أفضل له فلما سلم جاءه ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ما منعك أن تجيبني حين دعوتك » ؟ فقال : كنت أصلي ، فقال « ألم تسمع اللّه يقول :اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ[ الأنفال : 24 ] فكأن إجابته النبي صلّى اللّه عليه وسلم أفضل له لأن صلاته نافلة له ، وإجابته للرسول فرض عليه . وقال بعضهم : من كان طلب الفضائل أهم إليه من أداء الفرائض فهو مخدوع ، ومن شغل بغيره عن نفسه فقد مكر به فأفضل شيء للعبد معرفته لنفسه ثم وقوفه على حده ثم أحكامه لحاله التي أقيم فيها ، ثم قيامه بعلمه الذي فتح له فيبتدىء بالعمل بما افترض عليه بعد اجتنابه ما نهى عنه مبلغ علمه ووسع وجده ، ولا يشتغل بطلب فضل حتى يحكم عمل فرض لأن الفضل ربح لا يصح إلا بعد رأس المال ولكل فضل آفة قاطعة ، فمن سلم منها حاز فضله ولكل أمر نفيس مؤنة ثقيلة فمن تحملها أدرك نفيسها ، ومن تعذرب عليه السلامة فهيهات هيهات أن يصل إلى أفضل كرامة ومن لم يصبر على تحمل غرامة لم يدرك علو مقامه وقد يلتبس التكلف بالإخلاص وإظهار العلم بظهور التزين به . قال الثوري : زين نفسك بالعلم ولا تزين به أي أدبها للّه تعالى لتكون زينا في أوليائه ولا تتزين به عند الناس ليمدحوك