تعارض فيه . والذي ينقدح لنا فيه والعلم عند اللّه إن ينظر إلى قدر قوّة الباعث . فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفسي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه ، وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع وهو مع ذلك مضر ومفض للعقاب . نعم العقاب الّذي فيه أخف من عقاب العمل الذي تجرّد للرياء ولم يمتزج به
شرح
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رجلا قال : يا رسول اللّه رجل يريد الجهاد في سبيل اللّه وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا أجر له » فأعظم الناس ذلك وقالوا للرجل : عد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلعلك لم تفهمه ، فقال : يا رسول اللّه رجل يريد الجهاد في سبيل اللّه وهو يبتغي عرضا من أعراض الدنيا . فقال : « لا أجر له » . فقالوا للرجل : عد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال له الثالثة ، فقال : « لا أجر له » . وإسناده حسن . وأخرجه الحاكم وصححه .
وأما حديث أبي أمامة فقال النسائي : حدثني عيسى بن هلال الحمصي ، حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن عكرمة بن عمار ، عن شداد أبي عمار عن أبي أمامة الباهلي رضي اللّه عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لا شيء له » فأعادها ثلاث مرات ، ويقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لا شيء له » ثم قال :
« إن اللّه عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغى به وجهه » . وإسناده صحيح . وقد أخرجه الحاكم وصححه أيضا ، فهذان الخبران يبينان صحة ما ذهب إليه المحاسبي ، واختاره ابن عبد السلام ، وهما صريحان في المدعى ، وأما ما يعارض ذلك فحديث أبي هريرة الذي تقدم في ذم الجاه والرياء وأشار إليه العراقي ، وكذا حديث عبادة بن الصامت « من غزا في سبيل اللّه ولم ينو إلا عقالا فله ما نواه » رواه النسائي . قال العراقي في شرح التقريب : فإتيانه بصيغة الحصر يقتضي أنه إذا نوى مع القتال شيئا آخر كان له ما نواه ا ه .
وقال السمعاني في أماليه قوله صلّى اللّه عليه وسلم « وإنما لكل امرئ ما نوى » فيه دلالة على أن الأعمال الخارجة عن العبادة قد تفيد الثواب إذا نوى بها فاعلها القربة كالأكل والشرب ، إذا نوى بهما القوة على العبادة والطاعة ، والنوم إذا قصد به ترويح البدن للعبادة ، والوطء إذا أريد به التعفف عن الفاحشة ا ه .
واختار المصنف رحمه اللّه تعالى التفصيل في ذلك ، وقد أشار إليه بقوله : ( والذي ينقدح لنا فيه والعلم عند اللّه ) تعالى ( أن ينظر إلى قدر قوة البواعث فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفسي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه ، وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع وهو مع ذلك مضر ومقتض للعقاب ) أي إذا تساوى القصدان وكانا على السواء يكون باطلا ، كما إذا كان الإخلاص منغمرا بالنسبة إلى الآخر . ( نعم العقاب الذي فيه أخف من عقاب العمل الذي تجرد للرياء ولم تمتزج به شائبة التقرب ، وإن كان قصد