كلها ، وهذا هو البيان الكامل والأقاويل في هذا كثيرة ولا فائدة في تكثير النقل بعد انكشاف الحقيقة ، وإنما البيان الشافي بيان سيد الأوّلين والآخرين صلّى اللّه عليه وسلم إذ سئل عن الإخلاص فقال : « أن تقول ربي اللّه ثم تستقيم كما أمرت » أي لا تعبد هواك ونفسك
شرح
وقال صاحب المقاصد : الفائدة الثانية أن لا يترك العمل خوفا من غرة الإخلاص ، فإن ترك العمل من جهة الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك ، بل يعمل ويجتهد في الإخلاص فإن ترك الأعمال لا يقدر عليها إلا بالتدريج شيئا فشيئا ، ففي الخبر : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه » فهذا يدل على الدخول في الدين قهرا لا بالاختيار ، ولكن ذلك تدريج إلى مجالسة المؤمنين ومشاهدة أحوالهم وإلى استماع ما أنزل اللّه عليهم ليكون موصلا للإيمان إلى قلوبهم ، فيدخلون في الدين باختيارهم ثم يتدرجون قليلا قليلا إلى أن يبلغوا منازل المقربين ، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالىوَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ[ التوبة : 60 ]
( وقيل : الاخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها ، وهذا هو البيان الكامل ) فإن دوام المراقبة يستدعي الاستغراق في العبودية والمستغرق فيها لا يلتفت في سائر أحواله إلا إلى اللّه تعالى ، ونسيان الحظوظ يستدعي عدم الرؤية في إخلاصه فصار بذلك جامعا لمعاني الإخلاص كلها ، ( والأقاويل في هذه كثيرة ) ، فمن ذلك قولهم : الإخلاص استواء المدح والذم من العامة ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال ونسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة ، وهذا نقله القشيري عن ذي النون وهي من علامات الإخلاص . وقيل : نقصان كل مخلص في إخلاصه رؤية إخلاصه .
فإذا أراد اللّه أن يخلص إخلاصه أسقط عن إخلاصه رؤيته لإخلاصه فيكون مخلصا لا مخلصا نقله القشيري عن أبي بكر الدقاق ، وهو بعينه قول أبي يعقوب السوسي الذي ذكره المصنف . وقال أبو علي الروذباري ، قال لي رويم ، قال أبو سعيد الخراز : رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين .
وقال حذيفة المرعشي : الإخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن . وقيل : الإخلاص ما أريد به الحق وقصد به الصدق . وقيل : الإخلاص الإغماض عن رؤية الأعمال . وقال السري : من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين اللّه . وقال يوسف بن الحسين : أعز شيء في الدنيا الإخلاص .
( ولا فائدة في تكثير النقل بعد انكشاف الحقيقة ، وإنما البيان الشافي بيان سيد الأولين والآخرين صلّى اللّه عليه وسلم إذ سئل عن الإخلاص فقال « أن تقول ربي اللّه ثم تستقيم كما أمرت » ) قال العراقي : لم أره بهذا اللفظ ، وللترمذي وصححه وابن ماجة من حديث سفيان بن عبد اللّه الثقفي قلت : يا رسول اللّه حدثني بأمر أعتصم به . قال « قل ربي اللّه ثم استقم » . وهو عند مسلم بلفظ « قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك . قال : قل آمنت باللّه ثم استقم » ا ه .
قلت : ذكر الحافظ في ترجمة سفيان هذا في الإصابة الحديث المذكور باللفظ الأول . وقال :
أخرج حديثه مسلم والترمذي والنسائي . أي : فذكر النسائي بدل ابن ماجة واللّه أعلم .