أقوى الأسباب المشوّشة للإخلاص . وقال الجنيد : الإخلاص تصفية العمل من الكدورات . وقال الفضيل : ترك العمل من أجل الناس رياء ، والعمل من أجل الناس شرك ، والإخلاص أن يعافيك اللّه منهما . وقيل الإخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ
شرح
شيء من عمل اللّه عز وجل » ( وهذا أيضا تعرض لترك الرياء وإنما خصه بالذكر ) دون غيره من الآفات ( لأنه أقوى الأسباب المشوشة للإخلاص ) ففي الخبر « أخوف ما أخاف على أمتي الرياء والشهوة الخفية » قيل : حب الدنيا ، وقيل العمل لأجل أن يؤجر العبد ويحمد .
( وقال الجنيد ) قدس سره : ( الإخلاص تصفية العمل عن الكدورات ) ولا يتم ذلك إلا إذا ملك شيئين : أحدهما عنده أولى به من الآخر صحة القصد لوجه اللّه ، ثم إخراج الآفات أو الحذر عليه من دخولها عليه إلى فراغه منه ، فبذلك يتم إخلاصه ويصفو من كدورات الهوى ويخلص من الشهوة الخفية فيكون خالصا من الرياء بالإخلاص صافيا من الشهوة بتفقد دخول الآفة .
( وقال الفضيل ) بن عياض رحمه اللّه تعالى : ( ترك العمل من أجل الناس رياء ، والعمل من أجل الناس شرك ، والإخلاص أن يعافيك اللّه منهما ) نقله القشيري سماعا عن محمد بن الحسين قال : سمعت علي بن بندار الصوفي يقول : سمعت عبد اللّه بن محمود يقول : سمعت محمد بن عبد ربه يقول : سمعت الفضيل يقول فذكره . ومعنى قوله : ترك العمل الخ أي من حيث يتوهم منهم أنهم ينسبونه بالعمل إلى الرياء فيكره هذه النسبة ويحب دوام نظرهم له بالإخلاص فيكون مرائيا بتركه محبة للدوام نسبة إلى الإخلاص لا للرياء . وقوله : والعمل الخ . أي لكونه أشرك في عمله غيره ، وهذا يرجع إلى قول من قال : الإخلاص تصفية العمل من الرياء والهوى .
وقال صاحب القوت : ولا يترك العبد العمل الصالح خشية دخول الآفة عليه ولا يدعه إن كان داخلا فيه لما يعتريه ، فإن ذلك بغية عدوه منه لكن يكون على نية الأولى من صحة القصد ، فإن دخلت عليه وضع عليها دواء فعمل في نفيها وإزالتها وثبت على حسن نيته وصالح معاملته ولا يدع عملا لأجل الخلق حياء منهم وكراهة اعتقادهم فضله ، فإن العمل لأجل الناس شرك وتركه لأجلهم رياء ، وترك العمل خشية دخول الآفة فيه جهل وتركه عند دخول العلة عليه ضعف ووهن ، ومن دخل في العمل للّه تعالى وخرج منه للّه تعالى لم يضره ما كان بين ذلك بعد أن ينفيه ولا يساكنه ، وقد يضره ما يكون بعد ذلك منه إن كان سرا فأظهر بعد زمان فصار علانية ، فنقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية ، ومثل أن يتظاهر به ويفتخر ويدلي به ويتكبر فيحبط ذلك عمله لأنه قد أفسده واللّه لا يصلح عمل المفسدين ، ومن دخل في العمل للّه تعالى ودخل عليه في وسط العمل علة فخرج من العمل مما أبطل عمله ، ومن دخل في العمل بآفة وخرج منه بصحة سلم له عمله وجبر بآخره أوله . وأفضل الأعمال ما دخل في أوله للّه تعالى وخرج منه باللّه تعالى ولم تطرقه فيما بينهما آفة ، فيكون اللّه تعالى هو الأول والآخر معه وعنده ، ثم لا يظهره بعد ذلك ولا يتظاهر به انتهى .