تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
شيء أشدّ على النفس ؟ فقال : الإخلاص إذ ليس لها فيه نصيب . وقال رويم : الإخلاص في العمل هو أن لا يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين . وهذا إشارة إلى أنّ حظوظ النفس آفة آجلا وعاجلا ، والعابد لأجل تنعم النفس بالشهوات في الجنة معلول ، بل الحقيقة أن لا يراد بالعمل إلا وجه اللّه تعالى وهو إشارة إلى إخلاص الصدّيقين وهو الإخلاص المطلق . فأما من يعمل لرجاء الجنة وخوف النار فهو مخلص بالإضافة إلى
شرح
فيه النية لوجه اللّه تعالى ، ووصف ذكر المنافقين بالقلة فقال :يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا[ النساء : 142 ] يعني غير خالص ا ه . ويقرب من قول إبراهيم قول ذي النون رحمهما اللّه تعالى حين سئل عن الإخلاص فقال : الإخلاص لا يتم إلا بالصدق فيه والصبر عليه ، والصدق لا يتم إلا بالإخلاص فيه والمداومة عليه نقله القشيري فبين الصدق والإخلاص تلازم ، فمن أخلص في مقام وصدق في سلوكه وصبر عليه حتى أحكمه نقله اللّه إلى ما فوقه . وسئل الجنيد عن الصدق والإخلاص فقال : بينهما فرق الصدق أصل والإخلاص فرع والصدق أصل كل شيء ، والإخلاص لا يكون إلا للّه بعد الدخول في الأعمال والأعمال لا تكون مقبولة إلا بهما . وقال القشيري : سمعت أبا علي الدقاق يقول : الإخلاص التوقي عن ملاحظة الخلق والصدق التنقي عن مطالعة النفس ، فالمخلص لا رياء له والصادق لا إعجاب له ا ه وما ذكره هو أوفى مراتب الإخلاص والصدق ، فإن أعلاها أن لا يسكن العبد إلى عمله وحسنه وإن كان صحيحا ويراه فضلا من ربه . ( وقيل لسهل ) التستري رحمه اللّه تعالى ( أي أشد على النفس ؟ فقال : الإخلاص لأنه ليس لها ) أي للنفس ( فيه ) أي في الإخلاص ( نصيب ) نقله القشيري ، وذلك لأن الغالب على عملها أن يكون لغرض ديني أو دنيوي وما ذكره مختص بحال المريد السالك ، فأما من كملت معرفته بمولاه اضمحلت لديه الأغراض فهو إنما يلتذ بالقرب . ( وقال ) أبو محمد ( رويم ) بن أحمد البغدادي ، المتوفى سنة 303 كان جامعا بين التصوف والفقه وكان يفتي على مذهب داود : ( الإخلاص في العمل وهو أن لا يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين ) ولاحظا من الملكين هكذا بهذه الزيادة نقله القشيري ، والمراد بالدارين دار الآخرة والدنيا ، والملكين ملك اليمين وملك الشمال أي بأن يكون عمله للّه لا يريد به سواه لا من دنياه ولا من أخراه ، ( هذا ) الذي ذكره ( إشارة إلى أن حظوظ النفس آفة ) أي دخول حظ في العمل وآفة تعرضه إما ( آجلا ) في دار الآخرة ( أو عاجلا ) في دار الدنيا ، ( والعابد لأجل تنعم النفس بالشهوات في الجنة ) من أكل وشرب ونكاح وغير ذلك ( معلول ) في عمله ، ( بل الحقيقة أن لا يراد بالعمل إلا وجه اللّه تعالى ) فقط ولا يمر بباله شيء من الحظوظ ، ( وهو إشارة إلى إخلاص الصديقين وهو الإخلاص المطلق ) والإخلاص الكامل ، ويعبر عنه أيضا بإخلاص الإخلاص ، ( فأما من يعمل لرجاء ) دخول ( الجنة وخوف ) اقتحام ( النار فهو