شرح
تصير دائرة مارة بالقطبين وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلا أو على هذا الوجه لبساطتها وتساوي أجزائها فلا بد لها من موجد قادر حكيم يوجدها على ما تستدعيه حكمته وتقتضيه مشيئته . وقال في قوله تعالى :كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْإلى قوله :وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[ البقرة : 216 ] فيه دليل على أن الأحكام تتبع المصالح الراجحة وإن لم يعرف عينها .
ونقل الطيبي في هذه الآية عن الزجاجي أنه قال : معنى كراهتهم القتال أنه من جنس غلظه عليهم ومشقته ، لا أن المؤمن يكره فرض اللّه لأنه تعالى لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والصلاح .
وقال الطيبي في حاشية الكشاف عند قوله تعالى :وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ[ البقرة : 205 ] الإفساد في الحقيقة إخراج الشيء من حالة محمودة لا لغرض ، وذلك غير موجود في فعل اللّه تعالى وما تراه من فعله إفسادا فهو بالإضافة إلينا وباعتبارنا ، فأما بالنظر الإلهي فكله إصلاح ، ولهذا قيل : يا من إفساده إصلاح أي ما نعده نحن إفسادا فهو بالإضافة إلينا وباعتبارنا لقصور نظرنا .
وقال الفخر الأصبهاني في أول سورة آل عمران : القيوم وهو القائم بإصلاح مصالح الخلق ، ولا يتم ذلك إلا بمجموع أمرين : كونه عالما بجميع حاجاتهم على جميع الوجوه ، وكونه قادرا على وقعها .
والأول لا يتم إلا بكونه عالما بكل شيء ، والثاني : لا يتم إلا بكونه قادرا على كل ممكن أشار إلى الأول بقوله :إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ[ آل عمران : 5 ] وإلى الثاني بقوله :هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ[ آل عمران : 6 ] قال : وفي هذا لطيفة أخرى وهي أن قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِلا يجوز إثباته بالسمع لأن معرفة السمع موقوفة على العلم بكونه عالما بكل شيء ، بل بالدليل العقلي وهو أن يقال :
إن أفعاله تعالى محكمة متقنة والفعل المحكم المتقن يدل على كون فاعله عالما ، فذكر الدليل العقلي الدال عليه وهو أنه هو الذي صورهم في الأرحام على هذه البنية العجيبة والهيئة الغريبة ، وركب الأعضاء المختلفة في الشكل والطبع والصفة فبعضها عظام وبعضها أعصاب وبعضها أوردة وبعضها شرايين وبعضها عضلات ، ثم أنه ضم بعضها إلى بعض على أحسن التركيب وأكمل التاليف ، وذلك يدل على كمال قدرته حيث خلق ذلك من نطفة أو على كمال علمه من حيث أن الفعل المحكم المتقن على هذا الوجه لا يصدر إلا عن عالم ، فكان قوله :هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْدالا على الأمرين معا انتهى .
وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى :وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ[ البقرة : 163 ] الآية . وقوله :الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ[ البقرة : 163 ] كالحجة على الوحدانية ، فإنه لما كان مولى النعم كلها أصولها وفروعها وما سواه إما نعمة أو منعم عليه لم يستحق العبادة أحد غيره . قال السعد : فإن قيل : الكفر والمعصية وسائر القبائح ليست بنعمة ولا منعم عليها . قلنا : هي كلها من حيث القابلية والفاعلية ، وما يرجع إلى الوجود والسببية نعمة ومرجع الشر والقبح إلى العدم . وقال السعد في حاشية الكشاف عند قوله تعالى :أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا[ البقرة : 202 ] من للتبعيض بمعنى أنهم لا