تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
شرح
أنواع الكمال والإتقان ، وإن اللّه تعالى لو خلق الخلائق كلهم على عقل أعقلهم وعلم أعلمهم وأعطاهم من العلم والحكمة ما تحتمله نفوسهم وأفاض عليهم من الحكمة ما لا منتهى لوصفها ، ثم زاد كل واحد منهم عدد جميعهم علما وحكمة وعقلا ، ثم كشف لهم عواقب الأمور وأطلعهم على سائر الملكوت وعرفهم دقائق اللطف وخفايا العقوبات حتى اطلعوا به على الخير والشر والنفع والضر ، ثم أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت بما أعطوا من العلم والحكمة والعلوم لما اقتضى تدبير جميعهم مع التعاون والتظاهر عليه أن يزيدوا فيما دبر اللّه سبحانه الخلق به في الدنيا والآخرة جناح بعوضة ، ولم يقدروا على ذلك بل كل ما خلقه اللّه من السماوات والأرض إن رجع فيه البصر وطول فيه النظر ما يرى فيه من تفاوت ولا فطور ، وكل ما قسم اللّه بين عباده من رزق وأجل وسرور وحزن وقدرة وعجز وإيمان وكفر وطاعة ومعصية ، فكله عدل محض وحق صرف لأنه لو لم يخلق الناقص لم يعرف الكامل ، ولولا خلق البهائم لما ظهر شرف بني آدم ، فمقتضى الحكمة والجود خلق الكامل والناقص جميعا والقدرة صالحة واسعة لغير ذلك ، فلو شاء لقطع الأسباب عن المسببات والمسببات عن الأسباب ولأوجد العالم على هيئة أخرى ، ولو شاء لخلق كلهم سعداء أو كلهم أشقياء ، ولو شاء لخلق المسعد مشقيا والمشقى مسعدا إلا أن الإرادة خصصت هذا التخصيص واللّه فعال لما يريد ، وإنما أوجدت الخلق القدرة فعل ما خصصته الإرادة جرت المقادير في الأزل واستمرت في الأبد وجفت الأقلام بما قضى على الأنام ، فلم يتقدم أحد منهم قدر أنملة ولم يتأخر إلا بمقادير سابقة وكتابة لاحقة ، ولو تهيأت أسباب السعادة كلها للأشقياء لما سعدوا ، ولو تهيأت أسباب الشقاوة كلها للسعداء لما شقوا ، وإذا أراد اللّه بقوم سوءا فلا مرد له وإن يمسسك اللّه بضر فلا كاشف له إلا هو ، وإن يردك بخير فلا راد لفضله بل كل صغير وكبير مستطر وحصوله بقدر معلوم منتظر ، وما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك انتهى . وفيه تفصيل لما أجمله المصنف من قبل صلوحية القدر وسعتها لغير ما ذكر ، وتأويل لقوله الذي أسقطه وهو ليس في الإمكان أبدع مما أبرزه ، وهو أن الإرادة خصصته هذا التخصيص ، وسيأتي لذلك مزيد في بيان وجوه التأويل ، ويشهد لهذا ما قاله الإمام أبو العباس الأقليشي في كتاب الأنباء في شرح الصفات والأسماء : وأما تأخر العالم مع تمام قدرة القادر سبحانه فمنه ما هو ضروري ، ليس بجعل جاعل ، ومنه ما هو اختياري ، والضروري استحالة قديم غير اللّه تعالى ، فوجب بالضرورة أن يكون العالم متأخر الوجود عن اللّه تعالى ، وأما الاختياري فوجوده في الوقت الذي وجد وعلى الهيئة التي وجدت ، وكان في الإمكان أن يوجد قبله وبعده وعلى هيئة أخرى إلا أن الإرادة خصصته هذا التخصيص ، واللّه تعالى اختار هذا التخصيص فكان فعله واقعا بقدرته وإرادته واختياره وليس لفاعل سواه استبداد في إيراده وإصداره انتهى . فهذا أحد وجوه أبدعيته إذا تأملت عبارته . وقال المصنف في المقصد الأسنى في شرح اسمه العدل قال : معناه العادل وهو الذي يصدر منه