شرح
ينسب شيئا من الأشياء إلى الفلك ولا يعترض عليه بما أجرى به العادة فجرت مستمرة بحكمه وتقديره إلى حين يطويها وينقضها ، بل يعلم أن ذلك كله أسباب مسخرة وأنها رتبت ووجهت إلى المسببات أحسن ترتيب وتوجهت بأقصى وجه العدل .
وقال في اسمه تعالى اللطيف ، وبالجملة فهو من حيث دبر الأمور حكم ، ومن حيث أوجدها جواد ، ومن حيث رتبها مصور ، ومن حيث وضع كل شيء موضعه عادل ، ومن حيث لم يترك فيها دقائق الرفق لطيف ، ولن يعرف حقيقة هذه الأسماء من لم يعرف حقيقة هذه الأفعال .
وقال في اسمه تعالى المصور ، وأما اسم المصور فهو له من حيث رتب صور الأشياء أحسن ترتيب وصورها أحسن تصوير ، وهذا من أوصاف الفعل فلا يعلم حقيقته إلا من يعلم صورة العالم على الجملة ثم على التفصيل ، فإن العالم كله في حكم شخص واحد مركب من أعضاء متعاونة على غرض مطلوب منه ، وإنما أعضاؤه وأجزاؤه السماوات والكواكب والأرضون وما بينهما من الماء والهواء وغيرهما ، وقد رتب أجزاءه ترتيبا محكما لو غير ذلك الترتيب لبطل النظام فخصص بجهة الفوق ما ينبغي أن يعلو وبجهة السفل ما ينبغي أن يسفل ، وكما أن البناء يضع الحجارة أسفل الحيطان والخشب فوقها لا بالاتفاق بل بالحكمة والقصد لإرادة الأحكام ، ولو قلب ذلك فوضع الحجارة فوق الحيطان والخشب في أسفلها لانهدم البناء ولم تثبت صورته أصلا ، وكذلك ينبغي أن تفهم السبب في علو الكواكب وتسفل الأرض والماء وسائر أنواع الترتيب في الأجزاء العظام من أجزاء العالم ، ولو ذهبنا نصف أجزاء العالم أو تخصيصها ثم نذكر الحكمة في ترتيبها لطال ، والتصوير موجود في كل جزء من أجزاء العالم وإن صغر حتى في النملة والذرة ، بل في كل عضو من أعضاء النملة ، بل الكلام يطول في شرح صورة العين التي هي أصغر عضو في الحيوان ، ومن لم يعرف طبقات العين وعددها وهيئتها وشكلها ومقاديرها وألوانها ووجه الحكم فيها فلن يعرف مصورها إلا بالرسم المجمل .
فصل
وهذه نبذة من كلام أئمة السنة الموافقة في المعنى والمشاهدة لصحة ما تقدم تقريره قال البيضاوي في تقرير قوله تعالى :هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاًإلى قوله :وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[ البقرة : 29 ] فيه تعليل كأنه قال : ولكونه عالما بكيفية الأشياء خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع واستدلال بأن من كان هذا فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الأنيق كان عالما ، فإن اتقان الأفعال بأحكامها وتخصيصها بالوجه الأحسن الأنفع لا يتصور إلا من عالم حكيم رحيم ، وقال في قوله تعالى :إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ البقرة : 164 ] الآية اعلم أن دلالة هذه الآيات على وجود الإله ووحدته من وجوه كثيرة يطول شرحها مفصلا ، والكلام المجمل أنها أمور ممكنة وجد منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة وأنحاء مختلفة ، إذ كان من الجائز مثلا أن لا تتحرك السماوات أو بعضها كالأرض وأن تتحرك بعكس حركاتها وبحيث