تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
شرح
يعطون إلا البعض مما طلبوا وهو القدر الذي استوجبوه في الدنيا نظرا إلى المصالح ، وفي الآخرة نظرا إلى الاستحقاق إذ الصانع حكيم لا يفعل ما ليس بمصلحة ولا يعطي ما ليس بمستحق . وقال البيضاوي في قوله تعالى :وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ[ البقرة : 245 ] ويقتر على بعض ويوسع على بعض حسبما اقتضته حكمته ، وقال عند قوله تعالى قال :إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ[ البقرة : 247 ] لما استبعدوا تملك طالوت لفقره وسقوط نسبه ردّ عليهم ذلك بأن العمدة فيه اصطفاء اللّه تعالى ، وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم . وقال السعد عند قوله تعالى :أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ[ البقرة : 258 ] وقد حكى قول الكشاف أن اللّه لا يؤتي الكافر الملك يعني أنه قبيح قال : لو سلم فما من قبيح إلا ويمكن أن يعتبر فيه غرض صحيح مثل الامتحان وقال التقي السبكي في تفسيره عند قوله تعالى :حِكْمَةٌ بالِغَةٌ[ القمر : 5 ] أي تامة بلغت النهاية في كل ما يوصف به . وقال الزجاج في قوله تعالى :آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً[ النساء : 11 ] معنى الكلام أنه قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة ، ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فتضعون الأموال على غير حكمة ، ولهذا أتبعه بقوله :إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً[ النساء : 11 ] أي عليم بما يصلح لخلقه حكيم فيما فرض . وقال ابن عطية في الآية هذا تعرض للحكم في ذلك وتأنيس للعرب الذي كانوا يورثون على غير هذه الصفة . وقال أبو حيان : بين تعالى أن قسمته هي القسمة التي اختارها وشرعها ، وأن الآباء والأبناء شرع في ميراثهم ما شرع لا ندري نحن أيهم أقرب نفعا ، بل علم ذلك منوط بعلم اللّه وحكمته ، فالذي شرعه هو الحق لا ما يخطر بعقولنا ، فإذا كان علم ذلك عازبا عنا فلا نخوض فيما لا نعلمه ، إذ هي أوضاع من الشارع لا نعلم عللها ولا ندركها ، بل يجب التسليم فيها للّه ورسوله ، وجميع المقدورات الشرعية في كونها لا نعقل عللها مثل قسمة المواريث سواء . وحكى المفسرون في معنى قوله تعالى :وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ[ النساء : 26 ] قولين . أحدهما : إن هذا دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا وتحليله من النساء في الآيات المتقدمة ، فقد كان الحكم كذلك أيضا في جميع الشرائع والملل . الثاني : أنه في بيان ما لكم في المصلحة لأن الشرائع وإن كانت مختلفة في نفسها متفقة في باب المصالح ، ولهذا ختم الآية بقوله :وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌأي عليم بوجوه المصالح حكيم بوضع الأشياء مواضعها بحسب الحكمة والإتقان انتهى . وهذا الثاني مؤيد لما تقدم تقريره أن الشيء قد يشرع في وقت ، ويكون إذ ذاك أبدع من خلافه لحكمة تقتضيه ، ثم يشرع في وقت بعده خلافه ويكون هذا الخلاف أبدع في هذا الوقت من المشروع لما اقتضاه من الحكمة . ونقل أبو حيان عن بعض المفسرين واستحسنه في قوله تعالى :وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ[ النساء : 32 ] قال : نهوا عن الحسد وعن تمني ما فضل اللّه به بعض الناس على بعض من الجاه والمال ، لأن ذلك التفضيل قسمة من اللّه صادرة عن حكمة وعلم بأحوال العباد بما يصلح للمقسوم له من بسط في الرزق أو قبض ، ولهذا ختم الآية
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 100 | مرتضى الزبيدي