تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
شرح
اقتضت جعل هذا الفضل في هذا الانسان فلا يعترض ولا يكره ما اقتضته الحكمة ولم يذمه اللّه احترازا من المعاصي هذه عبارته ، وهو صريح في أن المعاصي وقعت على مقتضى الحكمة ، وإنما تكره لأن اللّه ذمها . وقال أبو حيان في قوله تعالى :وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[ التوبة : 28 ] ختم الآية بهذين الوصفين للإشارة إلى أنه إنما يغني بحسب المصلحة والحكمة . وقال أبو طالب المكي في مقام الرضا من قوت القلوب الذي هو أساس كتاب الإحياء : ومن الرضا أن لا يذم شيئا مباحا ولا يعيبه إذ كان ذلك بقضاء مولاه مشاهدا للصانع في جميع الصنعة ناظرا إلى إتقان الصنع والحكمة ، وإن لم يخرج ذلك عن معيار العقل والعادة ، وبعض العارفين يجعل هذه الأشياء في باب الحياء من اللّه ، ومنهم من يقول : هي من حسن الخلق مع اللّه ، ومنهم من جعله من باب الأدب بين يدي اللّه تعالى ، وأعظم من ذلك أنها داخلة في باب قلة الحياء ، ويصلح أن يكون هذا أحد معاني الخبر الذي جاء : « قلة الحياء كفر » يعني كفر النعمة بأن يذم ويعيب بعض ما أنعم اللّه عليه من الإرفاق والإلطاف إذا كان فيها تقصير عن تمام مثلها أو كانت مخالفة لهواه ، فيكون ذلك كفر بالنعمة وقلة حياء العبد من المنعم ، إذ قد أمره بالشكر على ذلك فبدله كفرا ، لأن أحدا لو اصطنع طعاما فعبته وذممته كره ذلك منك ، فكذلك اللّه تعالى يكره ذلك منك ، وهذا داخل في معرفة معاني الصفات وبعض الراضين يجعل ذم الأشياء وعيبها بمنزلة الغيبة لصانعها لأنها صنعته ونتاج حكمته ونفاذ علمه وحكم تدبيره ، ولأنه أحكم الحاكمين وخير الرازقين وأحسن الخالقين له في كل شيء حكمة بالغة ، وفي كل صنعة صنع متقن لأنك إذا عبت صنعة أحد وذممتها سرى ذلك إلى الصانع لأنه كذلك صنعها وعن حكمة أظهرها ، إذ كانت الصنعة مجهولة لم تصنع نفسها ولا صنع لها في خلقها ، وقد كان الورعون لا يعيبون صنعة عبد كراهة الغيبة له ، وذلك أن الراضي عن اللّه تعالى متأدب بين يديه يستحيي أن يعارضه في داره أو يعترض عليه في حكمه ، فصاحب الدار يصنع في داره بحكمه ما يشاء ويأمر في خلقه كيف يشاء ، والحاكم يحكم بأمره والعبد راض بصنع سيده مسلم لحكم حاكمه وقال أيضا في آخر مقام التوكل : لو تمنى أهل النهي من أولي الألباب الذين كشف عن قلوبهم الحجاب نهاية الأماني فكوّنت أمانيهم على ما تمنوا لكان رضاهم عن اللّه عز وجل في تدبيره ومعرفتهم بحسن تقديره خيرا لهم من كون أمانيهم على ما تمنوا وأفضل من قبل إن اللّه أحكم الحاكمين ، وقد قال تعالى موبخا للإنسان مجهلا للتمني لقلة الإيقان :أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى[ النجم : 24 ، 25 ] أن يحكم فيهما بترك الأماني لأنه قال : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن هذا السوء علمهم بالتدبير وقوّة جهلهم بعواقب المصير واختلاف أهوائهم في معاني التقدير ، فالمتوكل محب للّه فهو به مسرور فرح له بملكه مستسلم له في جميع أموره ، فإن له الآخرة والأولى يحكم فيهما بما يشاء كيف شاء أنه على كل شيء قدير فعال لما يريد ، والعبد جاهل عاجز لا يقدر على شيء وهذا أول
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 102 | مرتضى الزبيدي