تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
شرح
فعل العدل المضاد للظلم والجور ، ولن يعرف العادل من لم يعرف عدله ولا يعرف عدله من لم يعرف فعله ، فمن أراد أن يفهم هذا الوصف فينبغي أن يحيط علما بأفعال اللّه تعالى من ملكوت السماوات إلى منتهى الثرى ، حتى إذا لم ير في خلق الرحمن من تفاوت ثم رجع فما رأى من فطور ثم رجع كرة أخرى ، فانقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير قد بهره جمال الحضرة الربوبية وحيره اعتدالها وانتظامها ، فحينئذ يعلق بفهمه شيء من معاني عدل اللّه ، وقد خلق أقسام الموجودات جسمانيها وروحانيها كاملها وناقصها ، وأعطى كل شيء خلقه وهو بذلك جواد ورتبه في موضعه اللائق به وهو بذلك عدل ، فمن الأجسام العظام في العالم الأرض والماء والهواء والسماوات والكواكب ، وقد خلقها ورتبها فوضع الأرض في أسفل وجعل الماء فوقها والهواء فوق الماء والسماوات فوق الهواء ولو عكس الترتيب لبطل النظام ، ولعل شرح وجه استحقاق هذا الترتيب في العدل والنظام مما يصعب على أكثر الأفهام ، فلننزل إلى درجة العوام ونقول : لينظر الإنسان إلى بدنه فإنه مركب من أعضاء مختلفة كما أن بدن العالم مركب من أجسام مختلفة ، فأول اختلافه أنه مركب من العظم واللحم والجلد وجعل العظام عمادا . واللحم صوانا مكتنفا لها ، والجلد صوانا للحم ، ولو عكس هذا الترتيب وأظهر ما بطن لبطل النظام وإن خفي عليك ، وقد خلق الإنسان من أعضاء مختلفة مثل اليد والرجل والعين والأنف والأذن فهو بخلق هذه الأعضاء جواد وبوضعها مواضعها الخاصة عدل لأنه وضع العين في أول المواضع بها من البدن ، إذ لو خلقها على القفا أو على الرجل أو على اليد أو على قمة الرأس لم يخف ما يتطرق إليها من النقصان والتعرض للآفة ، وكذلك خلق اليدين وعلقهما من المنكبين ولو علقهما من الرأس أو من الركبتين لم يخف ما يتولد منه من الخلل ، وكذلك وضع جميع الحواس على الرأس فإنها جواسيس لتكون مشرفة على جميع البدن ولو وضعها على الرجل اختل نظامها قطعا ، وشرح ذلك في كل عضو يطول ، فينبغي أن تعلم أنه لم يخلق شيئا في موضعه إلا أنه متعين له ولو تيامن عنه أو تياسر أو تسفل أو تعالى لكان ناقصا أو باطلا أو قبيحا أو خارجا عن التناسب كريها في المناظر ، وكما أن الأنف خلق على وسط الوجه ولو خلق على الجبهة أو على الخد لتطرق النقصان إلى فوائده ، وربما يقوي فهمك على إدراك حكمته . فاعلم أن الشمس أيضا لم يخلقها في السماء الرابعة وهي في وسط السماوات السبع هزلا بل ما خلقها إلا بالحق وما وضعها إلا موضعها المستحق لها لحصول مقاصدها منها إلا أنك ربما تعجز عن درك الحكمة فيها لأنك قليل التفكر في ملكوت السماوات والأرض وعجائبها ولو نظرت فيها لرأيت من عجائبها ما تستحقر معه عجائب بدنك كيف لا وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، وليتك وفيت بمعرفة عجائب نفسك فتفرغت للتأمل فيها وفيما يكتنفها من الأجسام فتكون ممن قال اللّه تعالى فيهم :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ[ فصلت : 53 ] ومن أين لك أن تكون ممن قال فيهم :وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ الأنعام : 75 ] وإنما تفتح أبواب السماء لمن لم يستغرقه هم الدنيا ، ثم قال في بيان حظ العبد من هذا الاسم ، ويكون الإيمان به قطع الإنكار والاعتراض ظاهرا وباطنا وتمامه أن لا ينسب شيئا إلى الدهر ولا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 97 | مرتضى الزبيدي